أعلن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (آياتا) عن أحدث بياناته التي تكشف عن صورة متباينة لأداء قطاع الطيران العالمي في مارس الماضي. فبينما شهد إجمالي الطلب على السفر الجوي ارتفاعاً بنسبة 2.1%، تراجعت السعة الإجمالية للمقاعد بنسبة 1.7% في الفترة نفسها. ويُبرز تقرير آياتا للسفر الجوي هذا التباين بين استمرار تعافي قطاع الركاب والتحديات المتزايدة التي تواجه قطاع الشحن الجوي، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة.
تعافي السفر الجوي وتحديات السعة
يأتي هذا الارتفاع في الطلب على السفر الجوي ليؤكد على مرونة القطاع وقدرته على التعافي بعد سنوات صعبة، أبرزها جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى توقف شبه كامل لحركة الطيران العالمية. فبعد أن شهدت شركات الطيران خسائر فادحة وإعادة هيكلة واسعة النطاق، بدأت حركة المسافرين في العودة بقوة، مدفوعة بالرغبة المتزايدة في السفر والترفيه والأعمال. ومع ذلك، فإن تراجع السعة الإجمالية للمقاعد يشير إلى أن شركات الطيران لا تزال تواجه تحديات في تلبية هذا الطلب المتزايد، سواء بسبب قيود التشغيل، أو نقص الطائرات، أو تحديات سلاسل التوريد لقطع الغيار والصيانة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار للمستهلكين في المستقبل.
تأثير الاضطرابات الجيوسياسية على الشحن الجوي
على النقيض من نمو قطاع الركاب، أشار تقرير آياتا للسفر الجوي إلى أن الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط كان لها تأثير سلبي مباشر على أسواق الشحن الجوي، مما تسبب في تراجع الطلب بنحو 5% في مارس. هذه الاضطرابات، التي تشمل التوترات في البحر الأحمر والصراعات الإقليمية، أجبرت العديد من شركات الشحن على إعادة توجيه مساراتها، مما أدى إلى زيادة التكاليف وتأخير الشحنات. تاريخياً، لطالما كان الشرق الأوسط محوراً حيوياً للتجارة العالمية والشحن الجوي، حيث يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. أي اضطراب في هذه المنطقة يؤثر بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، مما يعكس أهمية الاستقرار الإقليمي لتدفق التجارة الدولية.
وفي المنطقة العربية تحديداً، كشفت آياتا أن شركات الطيران في الشرق الأوسط سجلت انخفاضاً حاداً بنسبة 61% على أساس سنوي في الطلب على السفر، وانخفضت السعة الإجمالية للمقاعد بنسبة 57% على أساس سنوي. هذه الأرقام تعكس مدى تأثر المنطقة بالأحداث الجارية، وتضع ضغوطاً إضافية على شركات الطيران المحلية والإقليمية التي تعتمد بشكل كبير على حركة المرور العابرة والوجهات السياحية.
تقرير آياتا: مرونة الطلب في مواجهة الأزمات وتوقعات المستقبل
وفي سياق هذه التحديات، أكد المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي (آياتا)، ويلي والش، أن الأزمة الحالية التي تواجهها شركات الطيران ليست بحجم أزمة “كوفيد”، مشدداً على أن الطلب على السفر لا يزال قوياً. ومع ذلك، أوضح والش أن نقص وقود الطائرات سيؤثر على آسيا أولاً، ثم أوروبا، تليهما أفريقيا وأمريكا اللاتينية. وحذر من أن تقنين الوقود في آسيا وأوروبا قد يؤدي إلى إلغاء بعض الرحلات الجوية، مما سيزيد من تعقيد الوضع بالنسبة للمسافرين وشركات الطيران على حد سواء.
وأبدى والش قلقه من احتمال حدوث نقص في الوقود خلال فترة الذروة الصيفية في نصف الكرة الشمالي، مشيراً إلى أنه لا سبيل أمام شركات الطيران لامتصاص الزيادة الهائلة في التكاليف، مما يعني أن هذه التكاليف ستنتقل حتماً إلى المستهلكين. هذا السيناريو يهدد بتآكل جزء من تعافي قطاع السفر الجوي، حيث قد تؤدي الأسعار المرتفعة إلى تثبيط بعض المسافرين عن السفر، أو تقليل عدد رحلاتهم. إن قدرة الصناعة على التكيف مع هذه التحديات، من خلال تحسين الكفاءة أو البحث عن مصادر وقود بديلة، ستكون حاسمة في تحديد مسارها المستقبلي.


