spot_img

ذات صلة

إبراهيم البليهي: الأخلاق أولوية قصوى قبل التعليم والإعلام

المفكر إبراهيم البليهي

يشدد المفكر السعودي البارز إبراهيم البليهي، على ضرورة إعادة صياغة أولويات المنظومة التربوية والإعلامية، معتبراً أن الواجب يحتم جعل الأخلاق الهدف الأول للتربية، والهدف الأول للتعليم، وكذلك الهدف الأسمى للإعلام ولكافة وسائل التواصل وأدوات التثقيف. ويرى البليهي أن هدف المؤسسات المجتمعية يجب أن ينصب على الارتقاء بالأخلاق والاستمرار في ترقيتها، مؤكداً أن هذا الارتقاء يجب أن يكون المستهدف من الأول وحتى العاشر.

ويأتي طرح البليهي في سياق مشروعه الفكري الطويل الذي يركز على نقد الذات وتشريح العقل العربي، حيث لفت صاحب كتاب «بنية التخلف» الشهير، إلى قضية جوهرية تتعلق بآلية عمل العقل البشري، مشيراً إلى أن استحكام الجهل يعطل فاعلية العقل تماماً. ومع ذلك، يرى البليهي أن الوباء الأفظع ليس الجهل البسيط، بل يتمثل في «تَوَهُّم المعرفة»، وهو الداء الذي استوطن العقل منذ نشوئه. والفرق الجوهري يكمن في أن الجهل البسيط يمكن رفعه وعلاجه بالتعلم، أما ما يصعب علاجه فهو توهم المعرفة، أي أن يظن الجاهل نفسه عالماً، مما يرسخ في الأذهان تصورات خرافية أو خاطئة تتحكم في السلوك البشري، حيث يميل العقل بطبيعته لتمجيد ما اعتاد عليه وتزكية من يوافقونه الرأي.

فلسفة سقراط والخلل المعطِّل للاستقامة

وفي استعراضه للجذور الفلسفية لهذه الإشكالية، أوضح عرّاب الفلسفة في المملكة، أن الفيلسوف اليوناني سقراط كان يعتقد أن الخلل الأساسي المعطِّل للاستقامة البشرية هو الجهل، وأن الناس لو وجدوا طريقهم إلى فهم ذواتهم وإدراك الحقيقة فسوف تستقيم الأوضاع الإنسانية تلقائياً. كان سقراط يرى أن فهم الإنسان لذاته هو مفتاح الصلاح، ولذلك رفع شعاره الخالد «اعرف نفسك»، وأكد أن فاعلية العقل مشروطة بنقد العقل لذاته والشحذ الدائم لفاعليته، مردداً مقولته الشهيرة: «حياة لم تُمتحَن هي حياة لا تستحق أن يتمسك بها الإنسان».

هذا السياق التاريخي يوضح محاولات الفلاسفة الأوائل لإنقاذ الإنسان من ظلمات الجهل، حيث أشار البليهي إلى أن أفلاطون، تلميذ سقراط، كرّس حياته هو الآخر للتفكير في كيفية إنقاذ الإنسان من جهالته المستغلقة التي أغرقت الحياة بالتفكير الخرافي والسلوك الأرعن.

الطبيعة البشرية بين الأنانية والتهذيب

ورغم الجهود الفلسفية عبر التاريخ، يرى البليهي أن العلوم المعرفية الحديثة وتجارب التاريخ توصلت إلى نتيجة مغايرة ومصادمة، وهي أنه رغم فظاعة الجهل وبشاعة توهم المعرفة، إلا أن المعضلة الكبرى ليست ناجمة عن نقص المعرفة فقط، وإنما هي نتاج أصيل للطبيعة البشرية. فالإنسان، بحسب البليهي، كائن «أناني» بيولوجياً، وأنانية تنبع من أعماقه وجيناته.

واستشهد البليهي في هذا الطرح برأي علماء الأحياء التطوريين، وعلى رأسهم «ريتشارد داوكينز» صاحب كتاب «الجين الأناني»، الذي ذهب إلى أنه يجب على كل الناس أن يتعلموا حقيقة أنهم أنانيون بالطبع وبالفطرة، وبأن عليهم ترويض هذه الطبيعة الأنانية الجامحة ودفعها إلى الخير عبر التربية والثقافة. ولفت البليهي إلى نقطة حاسمة، وهي أنه من دون الاعتراف بالأنانية الطبيعية التلقائية، سيبقى البشر يرتكبون أفدح الفظائع ويبررون لأنفسهم ذلك دون صعوبة، لأن طبيعتهم الأنانية متماهية مع تلك الأفعال.

وختم البليهي رؤيته بتحميل «الأنانية» مسؤولية الصراعات والمعضلات الأخلاقية التي تعصف بالعالم، عاداً سلوك الإنسان على مستوى الأفراد والمجتمعات والثقافات نتاجاً للقيم والتصورات والحاجات والرغبات التي تحرك الإنسان تلقائياً، بعيداً عن مجرد معلوماته ومهاراته التقنية، مما يجعل الحاجة إلى «الأخلاق» كضابط وموجه أولوية قصوى تسبق مجرد حشو الأذهان بالمعلومات.

spot_imgspot_img