spot_img

ذات صلة

الأعمال الكاملة لإبراهيم بن عيسى: توثيق تاريخ نجد

في عالم تتسارع فيه وتيرة الأحداث وتتغير ملامح الحضارات، يظل التاريخ هو الوعاء الحافظ للذاكرة الجمعية، والمنارة التي تهدي الأجيال نحو فهم أعمق لجذورها وهويتها. وفي قلب الجزيرة العربية، حيث كانت الرمال شاهدة على قرون من التحولات الاجتماعية والسياسية، تبرز أهمية التوثيق التاريخي كركيزة أساسية لبناء الأمم وصيانة تراثها. إن المعرفة الحقيقية لا يمكن أن تنتقل عبر الأجيال دون جسور متينة من المصادر الموثوقة والمدونات الأصيلة. وفي هذا السياق، تأتي قراءة في «الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى» لتكشف عن كنز معرفي لا يُقدر بثمن، يمثل إهداءً معرفياً فريداً من نوعه، يؤكد أن أثمن ما يمكن أن يُهدى هو التاريخ نفسه.

لقد تجسدت هذه القيمة في مبادرة كريمة تمثلت في اقتناء هذه المجموعة الضخمة، التي وصلت إلى رئيس تحرير «عكاظ» الزميل جميل الذيابي، كإهداء من وزير الدولة خالد بن عبدالرحمن العيسى، حفيد «مؤرخ الديار النجدية» الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى. هذه المبادرة ليست مجرد هدية شخصية، بل هي بمثابة وقف معرفي وطني، يهدف إلى حفظ الذاكرة الوطنية للمملكة العربية السعودية، ويمد الباحثين والمهتمين بالمصادر الأصيلة التي لا غنى عنها. إن إتاحة هذه الموسوعة التاريخية الضخمة، التي تضم 19 مجلداً، هي بمثابة بناء جسر متين يربط بين الماضي العريق والحاضر المزدهر، ويعكس وعياً رفيعاً بقيمة الوثيقة التاريخية ودورها المحوري في صيانة تراث الوطن وتشكيل هويته.

في التاريخ، هناك لحظات لا تُكتب فحسب، بل تُنقذ من غياهب النسيان. ففي أزمنة غابرة، كانت الوثيقة التاريخية في قلب نجد عملة نادرة، مهددة بالضياع تحت وطأة الظروف القاسية وتقلبات الزمن. ولولا جهود رجال عظام، لابتلعت الرمال ذاكرة أجيال بأكملها، ولصار التاريخ مجرد رواية ناقصة بلا سند أو دليل. من بين هؤلاء الرجال، نهض الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى (1270–1343هـ / 1853–1924م) ليؤدي مهمة تاريخية تتجاوز حدود جيله ومكانه. لقد كان أمين العُهدة بين الماضي العريق والدولة التي كانت تتشكل آنذاك، المملكة العربية السعودية الحديثة. ما خلّفه هذا الرجل اليوم في 19 مجلداً ليست مجرد كتب، بل هي بنية تحتية معرفية راسخة للتاريخ السعودي الحديث، توفر أساساً متيناً لفهم نشأة الدولة وتطورها.

وُلد إبراهيم بن صالح بن عيسى في أشيقر، البلدة النجدية العريقة التي كانت في زمانه مركزاً علمياً وثقافياً مزدهراً، ومدرسة مفتوحة للعلم والفقه والأنساب. إلا أن طموحه المعرفي لم يكن حبيس حدود المحلية الضيقة. فقد خرج مبكراً من أشيقر، وارتحل بين مدن وقرى نجد المختلفة كالوشم والقصيم والأحساء، ولم يكتفِ بذلك، بل عبر البحار إلى اليمن والهند، في رحلة بحث دؤوبة عن الرجال والعلماء والمخطوطات النادرة. كان إدراك الشيخ إبراهيم عميقاً بأن التاريخ لا يُؤخذ من الكتب وحدها، بل يُستقى من الأفواه الحية، ومن الوثائق المنسية، ومن الهوامش التي قد تبدو صغيرة لكنها تحمل تفاصيل جوهرية. هذه المنهجية الشمولية جعلته مؤرخاً لا يكتفي بالكتابة بعد الحدث، بل يعيش داخل الحدث نفسه، بصفته قاضياً، وفقيهاً، وناسخاً، ومرجعاً للأنساب، حتى صار اسمه مرادفاً لعبارة واحدة تداولها رجال التاريخ والباحثون: «إبراهيم ثقة في ما يكتب».

إن هذه القراءة لا تسبر غور «الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى» بوصفها مجرد إصدار ثقافي عادي، بل بوصفها حدثاً وطنياً استغرق أكثر من قرن من الزمان بين لحظة التدوين الأولى على يد المؤرخ، ولحظة الاكتمال المؤسسي على يد دارة الملك عبدالعزيز. هذا التحقيق والنشر يمثلان إنجازاً حضارياً يعكس التزام المملكة بحفظ تراثها الفكري والتاريخي، ويؤكد على أهمية المؤسسات الوطنية في صيانة الذاكرة الجمعية وتسهيل وصولها للباحثين والجمهور.

عند فتح هذه الأعمال الكاملة، لا ندخل مكتبة تقليدية، بل ندخل متحفاً مكتوباً، تتوزع فيه فنون المعرفة وتتداخل طبقات التاريخ والجغرافيا والاجتماع. ففي كتب مثل «تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد» و«عقد الدرر» و«مختصر عنوان المجد»، يقدم إبراهيم بن عيسى سجلاً حولياً دقيقاً للأحداث، لا يكتفي برصد الوقائع السياسية والعسكرية فحسب، بل يوثق أيضاً المناخ، والأوبئة، وسنوات القحط، وحركة الناس، والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في زمن بالغ الأهمية شهد تشكّل الدولة السعودية الثالثة وتوحيد أجزاء الجزيرة العربية. هذه التفاصيل الدقيقة توفر للباحثين صورة شاملة للحياة اليومية في نجد خلال تلك الفترة الحاسمة.

وفي «حاشية الروض المربع»، يظهر إبراهيم بن عيسى فقيهاً من الطراز الثقيل، يجمع بين عمق الفهم الشرعي وواقعية التطبيق، فلا يفصل الفقه عن الواقع المعاش، ولا التاريخ عن الحكم الرشيد. هذا المنهج المتكامل يفسر نزاهته الصارمة ودقته المتناهية في التدوين التاريخي، حيث كان يرى أن التاريخ جزء لا يتجزأ من فهم الشريعة وتطبيقها في حياة الناس.

أما «المجموع الكبير» و«جامع الفوائد»، اللذان يمتدان على سبعة مجلدات، فيمثّلان أعظم كنوز هذه الموسوعة. هنا نجد تفاصيل غير مسبوقة عن تاريخ الخبز، وأنماط هطول الأمطار، والطب الشعبي المتداول، وحركة النجوم، والجغرافيا الدقيقة للقرى والآبار والموارد المائية، بالإضافة إلى القصائد النبطية التي لا توجد في أي مصدر آخر. هذه المجلدات تقدم بانوراما حية للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في نجد، وتعتبر مرجعاً لا غنى عنه لدراسة الأنثروبولوجيا والتاريخ الاجتماعي للمنطقة.

وفي جامع التراجم ونوادر الوثائق، نواجه ما يمكن تسميته «الأرشيف السري» لنجد؛ حيث يضم صكوكاً، ووصايا، ومراسلات شخصية ورسمية، وأنساباً دقيقة للأسر والقبائل، وتراجم للعلماء والشخصيات البارزة. كثير من هذه الوثائق والمعلومات لم يُذكر في أي مصدر آخر، مما يجعلها مصدراً فريداً لدراسة التاريخ المحلي والعلاقات الاجتماعية في نجد.

المجلد الثامن عشر، الذي يرصد مكتبة إبراهيم بن عيسى وتعليقاته، يكشف عن عقل نقدي سبق عصره. ففيه نجد تصحيحاته، ومقارناته بين الروايات المختلفة، وتشكيكه في بعض المصادر، وإثباته لحقائق أخرى، بمنهج لا يختلف كثيراً عن مناهج التحقيق الحديثة. هذا المجلد يبرز مكانته كباحث دقيق لا يقبل المعلومة دون تمحيص.

في زمن كان التاريخ يُكتب بالهوى أو الولاء، وقف إبراهيم بن عيسى على مسافة واحدة من الجميع، ملتزماً بالموضوعية والحياد. إذا شك في معلومة، صرّح بذلك. وإذا تحقق من صحتها، قطع بها. وإذا نقل عن مصدر، نسب القول إلى صاحبه. كان يُراجع الروايات الشفهية بالوثائق المكتوبة، ويصحح كبار المؤرخين الذين سبقوه دون تردد، ويُسجّل الخلاف كما هو، لا كما يُحب أو يهوى. ولهذا السبب، بقيت أعماله صالحة للاستخدام الأكاديمي والبحثي بعد أكثر من 100 عام، دون أن تفقد صدقيتها أو قيمتها العلمية. إن هذه النزاهة هي ما يمنح أعماله مكانة فريدة في تاريخ التدوين العربي.

لم يكن وصول هذه الأعمال إلينا في صورتها الكاملة والمحققة أمراً سهلاً على الإطلاق. فتراث إبراهيم بن عيسى كان مبعثراً عالمياً؛ مخطوطات متناثرة في مكتبات خاصة وعامة في السعودية والكويت ومصر والعراق والولايات المتحدة، وأوراق مهترئة بفعل الزمن، وخطوط مستعجلة يصعب قراءتها، وكنانيش بلا عناوين أو ترقيم. هذا التشتت والتلف استدعى جهداً مؤسسياً جباراً. ولهذا، شكّلت دارة الملك عبدالعزيز لجاناً متخصصة للإشراف على المشروع، وضبط النص، وجمع المخطوطات من شتى بقاع الأرض، وتحقيقها علمياً. وقد شارك في هذا المشروع الوطني الضخم قرابة 20 باحثاً ومحققاً، استغرق عملهم سنوات طويلة من البحث والتدقيق والمراجعة، ليخرج العمل في أكثر من 7000 صفحة محققة ومفهرسة بدقة متناهية. هذا الإنجاز يُعد من أكبر المشاريع التوثيقية في تاريخ المملكة، ويؤكد على التزام الدولة بحفظ تراثها الفكري والثقافي للأجيال القادمة.

في زمن السيولة الرقمية وتدفق المعلومات غير الموثقة، تعيد هذه المجلدات تعريف معنى «المرجع» والمصدر الأصيل. إنها لا تخاطب الباحث الأكاديمي فحسب، بل تخاطب الهوية الوطنية لكل مواطن سعودي. إنها تُخبر الجيل الجديد أن هذا الوطن لم يُبنَ صدفة، بل على معرفة دقيقة بالأرض والناس والوقائع، وعلى جهود مضنية لرجال آمنوا بقيمة التوثيق وحفظ الذاكرة. إن «الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى» ليست مجرد كتب تُقرأ، بل هي وطنٌ يُستكشف، وذاكرة تُستعاد، وجذور تُرسخ. لقد رحل إبراهيم بن صالح بن عيسى قبل قرن من الزمان، لكنه عاد اليوم أكثر حضوراً وتأثيراً، عاد في 19 مجلداً، ليقول لنا إن الحبر عندما يكون أميناً وناقلاً للحقيقة، يصبح أقوى من الزمن، ويصبح شاهداً خالداً على عظمة الأثر الذي يتركه الإنسان في مسيرة أمته.

spot_imgspot_img