فضيحة أخلاقية تهز الإخوان: اتهامات تحرش وابتزاز تطارد قياديًا بارزًا هاربًا بأمريكا
شهدت الساعات الماضية تصاعدًا كبيرًا في وقائع خطيرة، بعدما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة عارمة من الشهادات والتدوينات التي تتهم قياديًا إخوانيًا بارزًا، هاربًا إلى الولايات المتحدة، بارتكاب وقائع تحرش وابتزاز جنسي بحق نساء من داخل محيط الجماعة. هذه القضية، التي تُعد من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل صفوف التنظيم، كشفت عن أبعاد جديدة تتعلق بالاستغلال الممنهج والتستر الداخلي.
وبحسب ما تم تداوله على نطاق واسع، فإن الاتهامات تطال أحمد عبد الباسط محمد، المتحدث السابق باسم اللجان النوعية، وهو شخصية معروفة داخل جماعة الإخوان المسلمين. وقد صدر بحقه في مصر حكم نهائي بالإعدام في القضية العسكرية المعروفة بـ«الخلايا النوعية للتنظيم»، مما يبرز سجله القضائي الحافل وارتباطه بأنشطة عنف وتطرف، وهو ما دفعه للفرار خارج البلاد.
الإخوان المسلمون: سياق تاريخي وتحديات معاصرة
لفهم أبعاد هذه الفضيحة، من المهم استعراض السياق التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين. تأسست الجماعة في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، وتطورت من حركة دعوية اجتماعية إلى قوة سياسية مؤثرة. مرت الجماعة بفترات من الصعود والهبوط، وشهدت علاقات متقلبة مع الأنظمة الحاكمة في مصر، تراوحت بين التعاون والمواجهة. بعد أحداث عام 2013 في مصر وعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، الذي ينتمي للجماعة، تم تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية في مصر والعديد من الدول العربية، مما أدى إلى حملة قمع واسعة النطاق ضد أعضائها وقياداتها. هذا الوضع دفع بالعديد من القيادات والكوادر إلى الفرار خارج البلاد، بحثًا عن ملاذات آمنة، غالبًا في أوروبا وأمريكا وتركيا وقطر، حيث يواصلون نشاطهم السياسي والإعلامي من هناك.
هذا السياق يخلق بيئة معقدة، حيث تجد عائلات المعتقلين والسجناء أنفسها في وضع إنساني واقتصادي صعب للغاية، مما يجعلها عرضة للاستغلال من قبل من يدّعون تقديم المساعدة والدعم. هذه الفئة الهشة، التي غالبًا ما تكون في أمس الحاجة للدعم المادي والمعنوي، تصبح هدفًا سهلاً للمتلاعبين الذين يستغلون نفوذهم ومكانتهم داخل التنظيم.
«المساعدات الإنسانية».. غطاء للاستغلال الممنهج
تفيد الشهادات المتطابقة بأن القيادي الهارب استغل الأوضاع الإنسانية الصعبة لزوجات وبنات سجناء الجماعة، متذرعًا بتقديم دعم مالي ومساعدات إنسانية. لكن هذا الدعم – وفق الاتهامات – تحول إلى أداة للضغط والاستدراج، وصولًا إلى التحرش والابتزاز الجنسي. هذه الوقائع لا تكشف فقط عن سلوك فردي منحرف، بل عن نمط استغلال ممنهج استهدف الفئات الأكثر هشاشة داخل محيط الجماعة، في تناقض صارخ مع الشعارات الحقوقية والأخلاقية التي يرفعها التنظيم في خطابه العلني.
تأتي هذه التسريبات في وقت يواصل فيه المتهم نشاطه التحريضي عبر منصات التواصل الاجتماعي من الخارج، مروّجًا لخطاب «حقوقي» ضد عدد من الأنظمة والدول، في الوقت الذي فجّرت فيه الشهادات النسائية اتهامات أخلاقية ثقيلة تتناقض كليًا مع هذا الخطاب المزعوم. هذا التناقض الصارخ يضع مصداقية الجماعة وقياداتها على المحك.
شهادات صادمة: تستر وحماية للمتهم
من جانبها، كشفت الناشطة سارة مهني، عبر تدوينة على «فيسبوك»، أن السيدات اللاتي تعرضن للتحرش والابتزاز لجأن إلى الجماعة طلبًا للحماية، لكنهن فوجئن بمحاولات احتواء القضية والتستر عليها. وأوضحت أن المتورط جرى التعامل معه باعتباره «شخصًا محسوبًا عليهم»، وأن أي محاولة لإيقاف ما يحدث كانت تُقابل بعبارات من قبيل: «ده مش وقته» أو «نسكّت الموضوع». وأضافت أن تحقيقًا داخليًا فُتح بالفعل، لكنه لم يُفضِ إلى أي إجراءات حقيقية، وظل المتهم يتمتع بالحماية والنفوذ داخل دوائر الجماعة.
وأكدت مهني أن الضحايا لم يطالبن سوى بحقوقهن، لكنهن تعرضن للتشكيك والاتهام بدعوى أن المتهم «شخصية كبيرة»، مشيرة إلى أن الخوف من «الفضيحة» كان المبرر الدائم لإغلاق الملف. ووجّهت رسالة مباشرة إلى كل زوجة أو أخت أو ابنة معتقل أو معتقلة سابقة تعرضت لانتهاكات مماثلة، داعية إياهن إلى عدم الصمت، ومؤكدة تفهمها لحالة الخوف والضغط النفسي، لكنها شددت على أن السكوت «قاسٍ ومهين». وأشارت إلى إمكانية الإدلاء بالشهادات دون الكشف عن الهوية، مع تقديم ما يثبت الوقائع من رسائل أو تسجيلات أو أدلة، مؤكدة استعدادها لنشر الشهادات مع إخفاء هوية الضحايا حمايةً لهن من أي أذى.
نسمة الخطيب: شهادات متكررة ونتائج مطموسة
بدورها، نشرت الناشطة نسمة الخطيب تدوينة مطولة كشفت فيها عن تلقيها شهادات متعددة لنساء من أهالي محكوم عليهم بالسجن، أكدن تعرضهن لمحاولات استغلال وابتزاز جنسي من الشخص ذاته. وقالت الخطيب إن المتهم كان يدّعي تقديم دعم إنساني ومادي، قبل أن يطرح – بحسب الشهادات – مطالب ذات طابع جنسي، وعند الرفض كان يلجأ إلى الضغط النفسي والتهديد وسوء المعاملة، مستغلًا الظروف المعيشية القاسية. وأضافت أن تحقيقًا سابقًا فُتح في وقائع مشابهة، لكن نتائجه جرى «طمسها»، قبل أن يدفع تكرار الشهادات وتطابقها المتضررات إلى كسر حاجز الصمت، مؤكدة أن المتهم مقيم في الولايات المتحدة وليس داخل مصر.
تداعيات الفضيحة: انهيار أخلاقي وتأثيرات متعددة
تكشف هذه الشهادات عن نمط متكرر داخل بعض دوائر تنظيم الإخوان، حيث تُستخدم الشعارات الإنسانية والحقوقية كغطاء لممارسات لا أخلاقية، وهو ما سبق أن حذر منه منشقون وباحثون في شؤون التنظيم. يُعد أحمد عبد الباسط محمد من القيادات المتورطة في التخطيط والدعم اللوجستي للخلايا النوعية المسلحة، وقد صدر بحقه حكم بالإعدام بعد إدانته في قضايا تتعلق بالإرهاب واستهداف مؤسسات الدولة، مما يضيف طبقة أخرى من الجرائم لسجله.
يعكس تزامن هذه الاتهامات مع الانكشاف المتزايد لقيادات الإخوان الهاربة بالخارج حالة من التفكك والانهيار الأخلاقي والتنظيمي داخل الجماعة. هذه الفضيحة لا تؤثر فقط على سمعة القيادي المتهم، بل تلقي بظلالها على الصورة العامة للجماعة، وتزيد من التشكيك في ادعاءاتها الأخلاقية والحقوقية. على الصعيد الداخلي، قد تؤدي هذه الأحداث إلى مزيد من الانشقاقات وفقدان الثقة بين الأعضاء، خاصة الشباب والنساء، الذين قد يشعرون بالخيانة وعدم الأمان. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن هذه الفضيحة قد تستغلها الحكومات والجهات المعادية للجماعة لتأكيد اتهاماتها ضدها، وتقويض أي محاولات للإخوان لتقديم أنفسهم كقوة سياسية معتدلة أو حامية لحقوق الإنسان. كما أنها تسلط الضوء على ضرورة وضع آليات حماية للناجين من العنف الجنسي، خاصة في المجتمعات المغلقة أو التي تعاني من ظروف استثنائية.
إن دعوات كسر الصمت التي أطلقتها الناشطات تمثل خطوة هامة نحو تحقيق العدالة ومواجهة ثقافة التستر، وتؤكد على أن لا أحد فوق المساءلة، مهما كانت مكانته أو نفوذه.


