أطلق الدكتور جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن الوضع الحرج الذي يمر به لبنان، مؤكداً أن البلاد تُعد من أكثر الدول تأثراً بتداعيات الصراعات الإقليمية الراهنة. وشدد أزعور على أن قدرة الدولة اللبنانية على مواجهة الآثار المدمرة لهذه الحرب تبدو ضعيفة جداً، مما يستدعي تدخلاً دولياً فورياً لتجنب كارثة اقتصادية أعمق.
تحذيرات صندوق النقد الدولي من تداعيات الصراع
في مقابلة حديثة على هامش اجتماعات الربيع المشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أوضح أزعور أن لبنان يمر بمرحلة استثنائية وحرجة تتطلب تكاتف الجهود الدولية. وأكد على ضرورة قيام الدول المانحة والمؤسسات المالية بتوفير دعم سريع وفعال لتمكين لبنان من تحقيق الاستقرار الاجتماعي وتجنب انهيار مؤسساته. وأشار إلى أن هناك تقدماً ملموساً في المفاوضات الجارية مع الحكومة اللبنانية لتقديم حزمة دعم مالي تنقذ الاقتصاد المتهالك.
جذور الأزمة: سياق تاريخي لانهيار الاقتصاد اللبناني
لفهم خطورة الوضع الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي للأزمة اللبنانية. فمنذ أواخر عام 2019، يعيش لبنان واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في التاريخ الحديث، وفقاً لتصنيفات البنك الدولي. فقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها، وانهار النظام المصرفي، مما أدى إلى تجميد ودائع المواطنين. وتفاقمت هذه الأزمة المعقدة إثر كارثة انفجار مرفأ بيروت في عام 2020، وجائحة كورونا، لتأتي التوترات الجيوسياسية الحالية بمثابة ضربة قاضية لاقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة هيكلية مزمنة.
أهمية توفير مساعدات اقتصادية عاجلة وتأثيرها الإقليمي
تتجاوز أهمية إنقاذ لبنان حدوده الجغرافية؛ فالتأثير المتوقع لانهيار الدولة اللبنانية يحمل أبعاداً محلية وإقليمية ودولية خطيرة. محلياً، أوضح أزعور أن الصراع أدى إلى تهجير نحو 20% من المواطنين، وتعرضت مناطق واسعة في جنوب لبنان لدمار شامل، مما خلق أزمة إنسانية واجتماعية غير مسبوقة. إقليمياً ودولياً، فإن ترك لبنان يواجه مصيره وحيداً قد يؤدي إلى موجات نزوح جماعية نحو أوروبا والدول المجاورة، فضلاً عن خلق بيئة خصبة لعدم الاستقرار الأمني في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. لذلك، فإن تقديم مساعدات اقتصادية عاجلة لتعزيز قدرة البلاد على الصمود هو ضرورة استراتيجية لحماية لبنان من الصدمات السياسية والأمنية الكبيرة.
مفاوضات صندوق النقد الدولي لحماية أموال المودعين
أضاف أزعور أن حجم التأثير الإنساني والاجتماعي والاقتصادي للحرب هائل، وأن قدرة لبنان على الاحتمال شبه معدومة نظراً لضعف وضعه المالي. وأكد أن صندوق النقد الدولي سيستكمل مفاوضاته مع السلطات اللبنانية خلال اجتماعات الربيع، مع التركيز بشكل خاص على إقرار قانون الفجوة المالية وحماية أموال المودعين، لا سيما صغار المودعين الذين تضرروا بشدة من الأزمة.
وختم أزعور تصريحاته بالإشارة إلى أن الصندوق يعكف حالياً على إعادة تقييم شاملة لوضع الاقتصاد اللبناني لمرحلة ما بعد الحرب الحالية. وتتضمن هذه التقييمات توقعات بارتفاع معدلات التضخم بشكل حاد، بالإضافة إلى التأثير السلبي العميق على حجم الناتج المحلي الإجمالي، مما يؤكد مجدداً على الحاجة الماسة لتدخل سريع وإصلاحات جذرية مدعومة دولياً.


