spot_img

ذات صلة

تأثير الحرب على الثقافة: إلغاء الفعاليات والمواعيد

تلقي الأزمات والصراعات بظلالها القاتمة على كافة مناحي الحياة، ولا يقتصر ذلك على الجوانب المادية والسياسية فحسب، بل يمتد ليشمل العقول والإبداع. يبرز تأثير الحرب على الثقافة كأحد أهم التداعيات التي تواجه المجتمعات، حيث تثبت الأحداث الجارية اليوم مجدداً أن الفنون والإبداع ليسا بمعزل عن التهديد والإرباك. ويتجلى ذلك بوضوح في قرارات تأجيل أو إلغاء العديد من المناسبات الثقافية، وعلى رأسها معارض الكتب في أكثر من قُطر عربي، مما أحدث انقساماً ونقاشاً واسعاً بين الكُتّاب والأدباء حول دور المثقف في أوقات الأزمات.

تأثير الحرب على الثقافة: جذور تاريخية وتحولات فكرية

على مر التاريخ، لم تكن الثقافة يوماً بمعزل عن ويلات الحروب. فإذا نظرنا إلى السياق العام والخلفية التاريخية، نجد أن الصراعات الكبرى دائماً ما شكلت نقطة تحول جذرية في مسار الفنون والآداب. وفي هذا السياق، توضح الكاتبة صفاء عبدالمنعم أن للنخب المثقفة دوراً حيوياً في الاستبصار المستقبلي لما بعد الحروب. وتستشهد بما خلفته الحرب العالمية الثانية من دمار شامل للمدن وقتل للبشر، وكيف دفع ذلك المثقفين لإعداد رؤية مختلفة للعالم. فقد أثمرت تلك الحقبة عن أعمال أدبية خالدة مثل رواية “وداعاً للسلاح” لإرنست همنغواي، وقصيدة “الأرض الخراب” لتي إس إليوت، مما مهد لظهور جيل كامل تبنى “مسرح العبث” وفلسفة الحداثة ككشف نقدي للواقع المرير.

وعلى الصعيد العربي، تشير عبدالمنعم إلى التحولات التي أعقبت ثورة 1919 في مصر، حيث برزت حالة من البحث عن الذات والهوية، وتجلت الروح الوطنية في موسيقى سيد درويش وأصوات المناضلين ضد الاحتلال. وبالمثل، بعد جلاء الاستعمار عن الوطن العربي وحرب أكتوبر 1973، شهدت المنطقة نهضة حقيقية في الثقافة والعلم، مما يؤكد أن النخبة الواعية معنية دائماً بكشف العبث ورسم الخطوات التالية لإنهاء الصراعات.

التداعيات الإقليمية والدولية لإلغاء المواعيد الثقافية

إن الأهمية البالغة للفعاليات الثقافية تجعل من إلغائها حدثاً ذا تأثير عميق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. يوضح الكاتب خالد اليوسف أنه بمتابعة واقع الوطن العربي، نلاحظ تأجيل وإلغاء الكثير من الفعاليات الجماهيرية. ففي المجال الثقافي، تأثرت معارض الكتب بشكل مباشر، بدءاً من معرض دمشق الدولي للكتاب، وصولاً إلى تأجيل معارض في دول الخليج العربي والعراق. هذا التوقف يضرب في صميم صناعة النشر وتجارة الكتب، حيث يعتمد معظم الناشرين في المنطقة على هذه المواسم للتواصل الاقتصادي والفكري.

من جانبه، يرى الروائي عبدالعزيز الصقعبي أن تأثير الحرب الدائرة اليوم يمتد ليطال الأنشطة العربية كافة، مشيراً إلى التوترات الإقليمية والممارسات غير المتزنة التي أثرت على حركة الطيران، والتي تُعد عصب التواصل للمشاركة في الفعاليات. ورغم أن العديد من المواقع الثقافية بعيدة عن مناطق الاستهداف المباشر، إلا أن القلق من التجمعات البشرية الكبيرة يدفع المنظمين لتأجيل أحداث كبرى مثل معرض أبوظبي للكتاب أو مهرجان المسرح الخليجي. هذا التراجع يفرض على المثقف مسؤولية كبرى تتمثل في الالتزام بموقف سليم، والابتعاد عن الشائعات، واستخدام الثقافة كقوة ناعمة لتجنيب الأوطان المزيد من التداعيات.

الثقافة كأداة للمقاومة وحفظ الهوية

في خضم هذه الأزمات، تتغير أولويات المجتمعات من الإبداع والرفاهية إلى محاولات البقاء. تؤكد الشاعرة سميا صالح أن الثقافة لا تنأى بنفسها عن الحروب، بل يُعاد تشكيل بنيتها الرمزية. ويظهر ذلك في انكماش المؤسسات الثقافية وإغلاق المسارح، ليطفو على السطح “أدب الحرب” المليء بالشهادات والسرديات الصادمة حول الهوية، الفقد، والمنفى. وتحذر صالح من استغلال الثقافة كأداة تعبئة أو تبرير للعنف، مشددة على أن دور المثقف يجب أن يكون واقعياً يوثق الحقائق ويفكك خطاب الكراهية.

وتتفق الكاتبة رحمة العسال مع هذا الطرح، مبينة أن الحروب تُربك الذاكرة الثقافية وتُضعف حضور المعرفة. ومع تحول البرامج الثقافية إلى “رفاهية مؤجلة”، تبرز الحاجة الماسة للكتابة والتوثيق كمسؤولية ملقاة على عاتق النخب لخلق منصات بديلة تُبقي الوعي حياً. وفي ختام هذا المشهد المعقد، يطلق الشاعر علي أحمد سعيد (أدونيس) صرخة تحذيرية، مشيراً إلى أن الجميع يعيش في “رواق مرض شامل”، حيث يخشى المثقفون حتى من الإشارة إلى أسباب الداء الحقيقية، محملاً الخطاب الديني المسيس جزءاً من المسؤولية، وداعياً المثقفين لمواجهة الواقع بشجاعة بدلاً من الكتابة وكأنهم خارج الزمان والمكان.

spot_imgspot_img