spot_img

ذات صلة

مشروع «على خطاه»: إحياء الهجرة النبوية ورؤية 2030

شهدت المملكة العربية السعودية حدثًا تاريخيًا بارزًا بتدشين صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة ورئيس مجلس هيئة تطوير المنطقة، مشروع «على خطاه». جاء هذا التدشين بحضور كوكبة من كبار المسؤولين، منهم صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، ومعالي المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، وعدد من الشخصيات البارزة. يهدف هذا المشروع الطموح إلى إحياء مسار الهجرة النبوية الشريفة، وتقديمه للعالم كتجربة ثقافية وتاريخية فريدة، تعزز الوعي بالسيرة النبوية وتدعم التنمية المستدامة في المناطق التي يمر بها المسار.

تُعد الهجرة النبوية، التي وقعت في عام 622 ميلادي، حدثًا محوريًا في تاريخ الإسلام والبشرية جمعاء. لم تكن مجرد انتقال جغرافي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه من مكة المكرمة إلى يثرب (المدينة المنورة لاحقًا)، بل كانت نقطة تحول أسست لدولة الإسلام الأولى، ومهدت لانتشار رسالته السمحة القائمة على العدل والرحمة والتعايش. انطلقت الهجرة هربًا من اضطهاد قريش في مكة، استجابة لدعوة أهل المدينة، لتشكل بداية التقويم الهجري وتضع أسس حضارة عظيمة امتد تأثيرها ليشمل العالم بأسره. إن تتبع هذا المسار اليوم ليس مجرد رحلة مادية، بل هو غوص في عمق التاريخ الروحي والإنساني، واستلهام للقيم والمبادئ التي أرساها الإسلام.

أكد الأمير سلمان بن سلطان أن مشروع «على خطاه» يجسد الدعم اللامحدود الذي توليه حكومة المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. ينبع هذا الدعم من مكانة المملكة كقلب للعالم الإسلامي ورائدة في خدمة مقدساته، ويسعى إلى تعزيز تجربة الزوار وضيوف الرحمن بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة. وأشار سموه إلى أن المملكة تضطلع بدور ريادي في حفظ التاريخ وتقديمه للعالم كرسالة حية تعكس قيم التسامح والسلام والتعايش، مؤكدًا أن «على خطاه» سيكون نموذجًا وطنيًا رائدًا يجمع بين الإيمان والمعرفة، والأصالة والتنمية، ليمتد أثره من المدينة المنورة إلى العالم أجمع.

من جانبه، شدد المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ على أن المشروع جاء بتوفيق من الله ثم بدعم القيادة الرشيدة، ويمثل خطوة مهمة في خدمة الزوار وإثراء التجربة التاريخية والثقافية في المملكة. كشف آل الشيخ عن تجربة شخصية تمتد لأكثر من 20 عامًا في خدمة ضيوف الرحمن، مما ساهم في فهم احتياجات الزوار وتطوير هذه التجربة الفريدة. وأوضح أن المشروع لم يكن ليرى النور بهذه السرعة لولا الدعم والمتابعة المستمرة من القيادة الحكيمة، والشراكة الفاعلة مع إمارة منطقة مكة المكرمة وإمارة منطقة المدينة المنورة، مؤكدًا أن هذه الشراكة عززت فرص نجاح المشروع بشكل كبير.

يمتد مسار الهجرة النبوية الذي يحاكيه المشروع على مسافة تتجاوز 470 كيلومترًا، مرورًا بـ 41 معلمًا تاريخيًا، من بينها 5 مواقع رئيسية مرتبطة بأحداث الهجرة العظيمة. يقدم المشروع تجربة منظمة ومتكاملة، تتيح للزوار تتبع خطى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه، والتعرف على التحديات والمواقف التي واجهوها. وقد شهد الحفل إطلاق تطبيق «على خطاه» الذكي، الذي يوفر للزوار مجموعة واسعة من الخدمات، بما في ذلك حجز باقات التجربة، والاطلاع على خريطة الرحلة والمحطات، وغيرها من الميزات التي تضمن سهولة الوصول والاستفادة من التجربة.

تتجاوز أهمية مشروع «على خطاه» البعد الديني والثقافي لتشمل أبعادًا اقتصادية وتنموية واسعة. فمن المتوقع أن يوفر المشروع نحو 25 ألف وظيفة في مرحلته الأولى، مع خطط لزيادة هذا العدد إلى 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة في المستقبل، مما يسهم بشكل كبير في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل للشباب السعودي. تستهدف المرحلة الأولى استقبال مليون زائر، مع طموح للوصول إلى 5 ملايين زائر بحلول عام 2030، ودراسة رفع العدد مستقبلًا إلى 10 ملايين زائر، مما يعكس حجم الإقبال المتوقع والاهتمام العالمي بهذه التجربة الفريدة. ولتسهيل وصول الزوار إلى المواقع الصعبة، يجري العمل على تركيب تلفريك في منطقة غار ثور، بطاقة تشغيلية تصل إلى 3 آلاف شخص في الساعة، مما يعزز من جاذبية المشروع ويسهل الوصول إلى أحد أهم معالمه التاريخية.

يعكس تدشين هذا المشروع التزام المملكة العربية السعودية الراسخ بالعناية بالمواقع التاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية، وتعزيز ارتباط الزوار بهذه المحطات المفصلية في تاريخ الإسلام. ينسجم ذلك تمامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى إثراء التجربة الثقافية والدينية، وتقديم المحتوى التاريخي بأسلوب تفاعلي ومميز. على الصعيد الإقليمي والدولي، يعزز المشروع مكانة المملكة كمركز إشعاع حضاري وثقافي للعالم الإسلامي، ويقدم نموذجًا يحتذى به في الحفاظ على التراث الإسلامي وتقديمه للأجيال القادمة وللبشرية جمعاء، مما يسهم في تعزيز التفاهم بين الثقافات والحضارات.

لقد جاء إطلاق المشروع ثمرة لتكامل جهود عدد من الجهات الحكومية والخاصة، في إطار منظومة عمل مشتركة تهدف إلى تقديم تجربة منظمة ومستدامة. شملت هذه الجهود هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة، ووزارة الحج والعمرة، ووزارة السياحة، والهيئة السعودية للسياحة، وبرنامج جودة الحياة، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، وشركة صلة، التي عملت جنبًا إلى جنب مع الهيئة العامة للترفيه. هذا التعاون يضمن أن يكون المشروع وجهة مهمة ومقصدًا للسياح من داخل المملكة وخارجها، ويؤكد على قدرة المملكة على تنفيذ مشاريع ضخمة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتخدم الإنسانية جمعاء.

spot_imgspot_img