كشف الصحفي الهندي براج موهان سينغ، العائد مؤخراً من الأراضي المحتلة، عن تفاصيل صادمة تتعلق بواقع التغطية الإعلامية وحياة المدنيين هناك في ظل التصعيد العسكري الأخير. وأكد سينغ أن هناك رقابة عسكرية إسرائيلية صارمة تُفرض على كافة وسائل الإعلام، تهدف بشكل أساسي إلى إخفاء الخسائر البشرية والمادية الحقيقية.

وفي مقطع فيديو حظي بانتشار واسع على منصات التواصل الاجتماعي، شارك سينغ تجربته الميدانية، واصفاً الوضع بـ«المروع». وأوضح أن المدنيين يعيشون حالة من الرعب حتى في المناطق التي تصنفها السلطات على أنها «آمنة». وأشار إلى مفارقة خطيرة تتمثل في سقوط بعض الصواريخ على أهدافها دون أن تسبقها انطلاق صفارات الإنذار، مما أدى إلى وقوع إصابات وقتلى داخل الملاجئ ذاتها، وهو ما يتناقض مع الرواية الرسمية التي تؤكد توفير حماية مطلقة للسكان.
وأضاف الصحفي الهندي بعبارات واضحة: «الحكومة لن تخبركم بأي شيء، ولا يُسمح لأحد بزيارة المستشفيات التي تستقبل الجثث أو المصابين. وعندما تقع حادثة أمنية أو يسقط صاروخ، يتم التكتم تماماً حتى على الموقع الجغرافي للحدث». وتطرق سينغ إلى الإجراءات الميدانية، حيث يُمنع الصحفيون منعاً باتاً من تصوير مشاهد الدمار أو الاقتراب من المواقع المتضررة، في مسعى واضح للسيطرة على السردية الإعلامية وتوجيه الرأي العام.

السياق التاريخي للرقابة العسكرية الإسرائيلية
لفهم هذا السياق، يجب الإشارة إلى أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية ليست وليدة اللحظة، بل هي مؤسسة رسمية تعمل منذ عقود بموجب قوانين الطوارئ. وتُلزم هذه الرقابة جميع الصحفيين، سواء المحليين أو الأجانب، بعرض المواد المتعلقة بالأمن القومي والعمليات العسكرية عليها قبل النشر. وفي أوقات الحروب والأزمات، مثل المواجهات المباشرة وغير المسبوقة التي شهدها عام 2024 بين إسرائيل وإيران، تشتد قبضة هذه الرقابة لمنع تسريب أي معلومات قد تستخدمها استخبارات الخصم لتقييم دقة ضرباتها، وللحفاظ على الروح المعنوية للجبهة الداخلية وتجنب إثارة الذعر.
التأثير الإقليمي والدولي لحرب السرديات
إقليمياً ودولياً، يحمل هذا التكتم الإعلامي دلالات عميقة. فمن جهة، تحاول إسرائيل الحفاظ على صورة «الردع» والتفوق التكنولوجي لأنظمتها الدفاعية مثل «القبة الحديدية» و«مقلاع داود» و«حيتس». ومن جهة أخرى، تؤكد شهادات الصحفيين المستقلين والمراسلين الأجانب أن بعض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة تنجح بالفعل في اختراق هذه الدفاعات وإحداث أضرار مادية وبشرية في قواعد عسكرية ومناطق مدنية.

هذا التضارب بين الرواية الرسمية والشهادات الميدانية يضعف من مصداقية السردية الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي، ويثير تساؤلات جدية حول حرية الصحافة وحق العالم في معرفة الحقائق على الأرض. في النهاية، تُظهر شهادة الصحفي الهندي أن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالأسلحة والصواريخ، بل هي أيضاً «حرب سرديات» ومعلومات، حيث تُستخدم الرقابة كأداة استراتيجية لا تقل أهمية عن الترسانة العسكرية لإخفاء الإخفاقات وتلميع صورة الانتصار.


