قدم مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) مقترحاً جديداً يمثل نقلة نوعية في تنظيم أعمال مصفي الأموال المشتركة، ليشمل التصفية والقسمة والحراسة، بهدف رئيسي هو ضمان أعلى معايير الكفاءة والشفافية في هذه العمليات الحيوية. ويأتي هذا المقترح ليعزز الدور الرقابي للمركز على أعمال التصفية كافة، مما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف المعنية ويساهم في بيئة قضائية ومالية أكثر موثوقية.
يُعد مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) ركيزة أساسية ضمن منظومة العدالة التنفيذية في المملكة العربية السعودية، وقد تأسس في إطار رؤية المملكة 2030 الطموحة. يهدف المركز إلى تسريع وتيرة إنفاذ الأحكام القضائية وتصفية الأصول المعقدة، مما يساهم في تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات. جاء تأسيس “إنفاذ” لمعالجة التحديات التي كانت تواجه عمليات التصفية التقليدية، مثل البطء في الإجراءات، ونقص التخصص، وتعدد الجهات، مما كان يؤثر سلباً على كفاءة استرداد الحقوق وتوزيعها.
لطالما كانت إدارة الأموال المشتركة وتصفيتها عملية معقدة تتطلب خبرة قانونية ومالية دقيقة. قبل إنشاء “إنفاذ” وتطوير أطر عمل متخصصة، كانت هذه العمليات قد تشهد تأخيراً أو نقصاً في الشفافية، مما قد يؤدي إلى ضياع حقوق أو انخفاض قيمة الأصول. يمثل هذا المقترح خطوة استباقية نحو احترافية أكبر في هذا المجال، من خلال وضع ضوابط واضحة ومسؤوليات محددة للمصفي، مما يعكس التزام المملكة بتطوير نظامها القضائي بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.
وفقاً للدليل المقترح، فإن المصفي يُكلف من المركز بممارسة مهماته أصالة عن نفسه ضمن حدود الإسناد فقط، ولا يُعتبر ممثلاً أو وكيلاً عن المركز. هذا التحديد الواضح لدور المصفي يضمن استقلاليته المهنية مع إبقائه تحت مظلة الرقابة الصارمة لـ “إنفاذ”. ويُحظر على المصفي تجاوز صلاحياته، ويلتزم بالامتناع عن مباشرة أي عمل يشوبه اللبس حتى الرجوع للمركز، مما يشدد على أهمية الشفافية والالتزام بالإجراءات. كما يخضع المصفي لإشراف مباشر يمنح “إنفاذ” حق المساءلة وتوقيع الجزاءات النظامية في حال الإخلال بالواجبات، مما يعزز من مبدأ المساءلة.
كما منع الدليل المقترح المصفي من الإقرار على المال المشترك أو الصلح عنه أو التنازل عنه بأي صورة، إلا في حال وجود وكالة شرعية من جميع الشركاء تخلو من وجود قاصر أو وقف، وذلك لحماية حقوق الأطراف الضعيفة وضمان عدم التصرف في الأصول دون موافقة كاملة وموثقة. وأوجب النظام على المصفي وضع يده على أعيان المال فور قبول الإسناد، محملاً إياه المسؤولية الكاملة عن أي تأخير، مع إلزامه بالرجوع للمركز في الحالات التي لا يرد بشأنها نص نظامي صريح قبل اتخاذ أي إجراء، لضمان اتساق القرارات مع الإطار القانوني العام.
ولضمان الحفاظ على قيمة الأصول وحمايتها، يُلزم الدليل المصفي بإعداد خطط أمنية وإدارية محكمة لحراسة الأصول وصيانتها ومنع انخفاض قيمتها. ويُعد الإبلاغ الفوري عن أي حالات فقدان أو سرقة أمراً إلزامياً، مما يعكس جدية المركز في حماية الأموال. كما يمنح المصفي صلاحية التعاقد مع جهات متخصصة عند الضرورة، لضمان أعلى مستويات الخبرة في إدارة الأصول المعقدة أو ذات الطبيعة الخاصة.
وفي الجانب المالي، يُلزم المصفي بتحصيل كافة إيرادات وريع الأصول وإيداعها في الحساب البنكي المعتمد، مع وجوب إعداد قائمة مالية شاملة معتمدة من محاسب قانوني. يجب أن تراعي هذه القوائم معايير الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين في حالات التصفية، مما يضمن دقة وشفافية التقارير المالية. كما شدد الدليل على تكوين مخصصات نقدية للديون الثابتة واحتياطي نقدي بنسبة 10% من رصيد التركة بحد أقصى مليون ريال، إضافة إلى استيفاء مديونيات الشركاء بخصمها من أنصبتهم مباشرة عبر النظام الإلكتروني، مما يعزز من كفاءة إدارة التدفقات النقدية.
ولم يغفل الدليل الجانب التقني والإداري، حيث ألزم المصفي بسداد الضرائب والأجور وتكاليف الصيانة عبر النظام الإلكتروني قبل مواعيد استحقاقها، مما يضمن الالتزام بالجدول الزمني ويقلل من المخاطر المالية. كما شدد على تطبيق معايير صارمة في سرية المعلومات وحماية البيانات الشخصية والتقيد بضوابط الأمن السيبراني المعتمدة، وهو أمر بالغ الأهمية في عصر الرقمنة لحماية خصوصية الأفراد وسلامة البيانات.
إن تطبيق هذا الإطار الجديد لعمل المصفي من قبل “إنفاذ” يحمل في طياته تأثيراً إيجابياً كبيراً على الصعيد المحلي. سيعزز هذا من ثقة المستثمرين في البيئة القضائية السعودية، ويسرع من حل النزاعات المتعلقة بالأصول المشتركة، ويقلل من الأعباء على المحاكم. كما سيضمن حماية أفضل لحقوق الورثة والشركاء والدائنين، مما يساهم في بيئة اقتصادية أكثر استقراراً وجاذبية للاستثمار، ويقلل من المخاطر المرتبطة بإدارة الأصول المعقدة.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يعكس هذا التطور التزام المملكة العربية السعودية بالارتقاء بمعاييرها القضائية والإدارية لتتوافق مع أفضل الممارسات العالمية. إن تعزيز الشفافية والمساءلة في عمليات التصفية يرسخ مكانة المملكة كمركز مالي وقضائي موثوق، ويساهم في بناء سمعة دولية قوية تدعم أهداف رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مما يجعلها نموذجاً يحتذى به في المنطقة.


