كشفت مصادر عسكرية سورية مطلعة عن تطورات حاسمة في ملف مخيم الهول، أحد أخطر بؤر التوتر في شمال شرق سوريا. فبعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية «قسد» من محور المخيم وتسليمه لقوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وسط تحليق مكثف للطائرات في سماء بلدة الهول، تتجه الأنظار الآن نحو مفاوضات مكثفة يجريها التحالف لتسليم المخيم إلى الحكومة السورية. هذه الخطوة تمثل نقطة تحول محتملة في إدارة هذا الملف الشائك الذي يجمع بين الأبعاد الأمنية والإنسانية والسياسية المعقدة.
انتقال السيطرة وتحديات الأمن
أفادت مصادر سورية مطلعة بأن المحادثات الجارية بين التحالف الدولي والسلطات السورية تركز على ضمان انتقال سلس للسيطرة على مخيم الهول. الهدف الأساسي من هذه المفاوضات هو تجنب أي مخاطر أمنية قد تنجم عن عملية التسليم، بما في ذلك فرار المحتجزين أو حدوث فوضى قد تستغلها الخلايا الإرهابية. المخيم، الذي يحتجز فيه عشرات الآلاف من المدنيين المرتبطين بتنظيم داعش الإرهابي، يمثل تحديًا أمنيًا كبيرًا، وقد شهد في السابق اشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية وخلايا حاولت الوصول إلى سجن الصناعة في الحسكة، الذي يأوي عناصر من التنظيم.
مخيم الهول: نشأته وتحدياته الراهنة
تأسس مخيم الهول في عام 2015 من قبل «الإدارة الذاتية» الكردية لإيواء النازحين العراقيين الفارين من بطش تنظيم داعش. ومع تصاعد عمليات التحالف الدولي و«قسد» ضد التنظيم في منبج والرقة وريفي الحسكة ودير الزور، تحول المخيم ليصبح مأوى للنازحين السوريين أيضًا. لكن نقطة التحول الكبرى كانت بعد سقوط آخر معاقل داعش في الباغوز، حيث أصبح الهول الملاذ الرئيسي لعائلات مقاتلي التنظيم، بما في ذلك النساء والأطفال، الذين سلموا أنفسهم للقوات المناهضة لداعش. وصل عدد سكان المخيم إلى أكثر من 70 ألفًا في عام 2019، غالبيتهم من العائلات السورية والعراقية، بالإضافة إلى نحو 10 آلاف من العائلات الأجنبية ينحدرون من 56 جنسية مختلفة. هذه الكثافة السكانية، وتنوع خلفيات المحتجزين، جعلت من الهول بيئة خصبة للتطرف وتحديًا إنسانيًا وأمنيًا عالميًا.
السياق الجيوسياسي والتوترات الأخيرة
تأتي هذه المفاوضات في ظل جمود سياسي وتوترات ميدانية متصاعدة في شمال شرق سوريا. شهدت المنطقة معارك عنيفة بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري، تركزت خصوصًا حول السجون التي تديرها «قسد» وتضم آلاف المقاتلين من تنظيم داعش. وقد تبادلت الأطراف الاتهامات، حيث أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري حظر تجول كامل في مدينة الشدادي وما حولها، متهمة «قسد» بإطلاق سراح عدد من عناصر داعش من سجن المدينة، بينما أكدت وزارة الداخلية إلقاء القبض على عشرات من الفارين. من جانبها، حذرت «قسد» من أن أي سيطرة غير منضبطة على هذه السجون قد تفتح الباب أمام عودة داعش، مؤكدة أن ملف التنظيم لا يمكن استخدامه أداة ابتزاز سياسي. دمشق، بدورها، اتهمت «قسد» بتوظيف هذا الملف في سياق التفاوض، موضحة أن الاتفاق بين الطرفين كان ينص على تسلّم الحكومة السورية مسؤولية هذه المنشآت.
الأهمية والتأثيرات المحتملة
إن تسليم مخيم الهول للحكومة السورية يحمل أهمية بالغة وتأثيرات متعددة الأبعاد:
- على الصعيد الأمني: يمثل المخيم قنبلة موقوتة، فاستمرار وجود عشرات الآلاف من الأفراد المرتبطين بداعش، بمن فيهم الأطفال الذين يتلقون تعليمًا متطرفًا، يهدد الأمن الإقليمي والدولي. أي حل مستدام يجب أن يضمن عدم تحول المخيم إلى بؤرة لتجنيد وتدريب جيل جديد من المتطرفين.
- على الصعيد الإنساني: تعاني الظروف المعيشية في الهول من تدهور مستمر، مع نقص حاد في الخدمات الأساسية والرعاية الصحية. عملية التسليم قد تفتح الباب أمام تحسين هذه الظروف، ولكنها تتطلب التزامًا دوليًا بدعم الحكومة السورية في إدارة هذا العبء الإنساني الهائل.
- على الصعيد السياسي: تعكس المفاوضات تعقيدات المشهد السوري وتداخل المصالح بين القوى الإقليمية والدولية. قد يمثل التسليم خطوة نحو استعادة الحكومة السورية لسيادتها على أراضيها، ولكنه يتطلب ضمانات دولية لمعالجة ملفات حساسة مثل مصير المحتجزين الأجانب وإعادة تأهيلهم.
إن هذه المفاوضات ليست مجرد عملية نقل للسيطرة، بل هي محاولة لإيجاد حل لمشكلة عالمية ذات تداعيات بعيدة المدى، تتطلب تعاونًا دوليًا وتفهمًا عميقًا للتعقيدات الأمنية والإنسانية والسياسية في سوريا.


