في خضم تصاعد الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران ودخولها أسبوعها الثالث، وجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اتهامات مباشرة للولايات المتحدة وإسرائيل، واصفاً إياهما بـ«أعداء إيران» الذين يسعون إلى «زرع الفوضى والاضطراب» في البلاد. جاءت هذه التصريحات في أعقاب ما وصفه بـ«حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل»، وتزامنت مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية التي تعد المحرك الرئيسي للغضب الشعبي.
خلفية التوترات والضغوط الاقتصادية
تأتي هذه الاتهامات في سياق تاريخ طويل من التوترات الجيوسياسية بين طهران وواشنطن وتل أبيب، حيث تتهم إيران القوى الغربية بالتدخل في شؤونها الداخلية ودعم المعارضة. لطالما كانت العلاقات بين هذه الأطراف محفوفة بالصراعات، بدءاً من الثورة الإيرانية عام 1979 وما تلاها من أحداث، وصولاً إلى العقوبات الاقتصادية المشددة التي فرضتها الولايات المتحدة، والتي أثرت بشكل كبير على الاقتصاد الإيراني. هذه العقوبات، التي تستهدف قطاعات حيوية مثل النفط والبنوك، أدت إلى تدهور مستمر في سعر صرف العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم، مما يثقل كاهل المواطن الإيراني ويفاقم من معاناته المعيشية.
تاريخياً، شهدت إيران موجات عديدة من الاحتجاجات الشعبية، غالباً ما كانت مدفوعة بمزيج من المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فمن احتجاجات عام 2009 التي طالبت بالإصلاح، إلى انتفاضات 2017 و2019 التي ركزت على الغلاء والفساد، وصولاً إلى الاحتجاجات الأخيرة، يظل العامل الاقتصادي هو الشرارة التي تشعل فتيل الغضب، بينما تتهم السلطات الإيرانية أطرافاً خارجية باستغلال هذه الظروف لزعزعة استقرار البلاد.
اتهامات رسمية ومواقف حكومية
في كلمة متلفزة، أكد الرئيس بزشكيان أن الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان وراء «مثيري الشغب» وتصدران لهم الأوامر لزعزعة الاستقرار. وفي الوقت ذاته، شدد على أن حكومته عازمة على إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية التي تواجه الشعب الإيراني، مؤكداً استعداد المؤسسة للاستماع إلى مطالب المواطنين. ودعا الرئيس الإيراني الشعب إلى النأي بنفسه عن «مثيري الشغب والإرهابيين»، متهماً «إرهابيين على صلة بقوى أجنبية» بقتل الأبرياء وحرق المساجد ومهاجمة الممتلكات العامة، في محاولة لفصل المحتجين السلميين عن العناصر التي تعتبرها الحكومة مخربة.
من جانبه، أفاد وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني بأن التقارير تشير إلى أن «الاضطرابات وأعمال التخريب» تتجه نحو «الانحصار»، مؤكداً أن الإيرانيين تفاجأوا بحجم التخريب الذي طال مراكز الشرطة وأسفر عن سقوط عدد من قوات الأمن. ونفى مؤمني مزاعم سقوط مدن بيد المحتجين، مشدداً على أن ضبط النفس الذي تمارسه القوات الأمنية يهدف إلى حماية المواطنين.
تصاعد الاحتجاجات وقمع الإنترنت
شهدت إيران احتجاجات جديدة في بندر عباس، عاصمة محافظة هرمزجان جنوب البلاد، مما يؤكد استمرار الحراك الشعبي وتوسعه الجغرافي. بالتوازي مع ذلك، أعلنت منظمة نتبلوكس، المتخصصة في مراقبة حركة الإنترنت عالمياً، أن انقطاع الإنترنت الشامل في إيران تجاوز 60 ساعة، وأن مستوى الاتصال لا يزال عند نحو 1% من المعدل الطبيعي. واعتبرت المنظمة هذا الإجراء الرقابي تهديداً مباشراً لأمن ورفاه الإيرانيين، خاصة في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد. يرى مراقبون أن قطع الإنترنت هو تكتيك حكومي يهدف إلى عرقلة تنظيم الاحتجاجات ومنع انتشار المعلومات والصور والفيديوهات التي توثق الأحداث، مما يعزل المتظاهرين عن العالم الخارجي.
بدأت شرارة الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025، بإضراب واسع نفذه تجار في بازار طهران، احتجاجاً على التدهور الحاد في سعر صرف العملة وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، أعلن قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان عن توقيف عدد كبير من قادة حركة الاحتجاجات، مؤكداً أنهم سيحاسبون قانونياً، دون الكشف عن أعدادهم أو هوياتهم. هذه الاعتقالات تثير مخاوف منظمات حقوق الإنسان الدولية بشأن مصير المعتقلين وحرية التعبير في البلاد.
تحذيرات إقليمية ودعوات للإصلاح
في سياق متصل، وجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تحذيراً شديد اللهجة للإدارة الأمريكية، مؤكداً أن أي هجوم على طهران سيؤدي إلى قصف إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، معتبراً إياها «أهدافاً مشروعة». ووصف قاليباف الوضع الراهن بأن «العدو دخل مرحلة الحرب الإرهابية من الداخل»، مما يعكس النظرة الرسمية للتحركات الداخلية كجزء من مؤامرة خارجية. وفي الوقت نفسه، دعا قاليباف المسؤولين إلى إيلاء اهتمام دقيق لمسألة ضبط أسعار الصرف ورفع القدرة الشرائية للمواطنين، مما يشير إلى إدراك القيادة لأهمية معالجة الجذور الاقتصادية للاحتجاجات. وقد ناقش البرلمان الإيراني في جلساته الأخيرة هذه الاحتجاجات المستمرة، في محاولة لإيجاد سبل للتعامل مع الأزمة المتفاقمة.
تُظهر هذه التطورات أن إيران تواجه تحديات داخلية وخارجية معقدة. فبينما تسعى الحكومة إلى قمع الاضطرابات واتهام أطراف خارجية بتأجيجها، تظل المطالب الاقتصادية والشعور بالإحباط لدى المواطنين عوامل رئيسية تدفع نحو استمرار الحراك. إن كيفية تعامل القيادة الإيرانية مع هذه الأزمة المزدوجة، سواء من خلال القمع أو الإصلاحات الحقيقية، ستحدد مسار البلاد في المرحلة القادمة وستكون لها تداعيات إقليمية ودولية واسعة النطاق.


