تواصل طهران تبني مواقف تصعيدية تثير القلق الدولي والإقليمي بشأن الممر المائي الأكثر أهمية في العالم، حيث ادعى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن بلاده هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن إعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب. وجاءت هذه التصريحات خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده عراقجي مع نظيره العراقي فؤاد حسين في العاصمة بغداد، حيث أكد أن الأمور ستعود إلى طبيعتها بمجرد إزالة ما وصفها بـ ‘العوائق’، محذراً من أن تدخل أي أطراف خارجية لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأوضاع وعرقلة حركة الشحن البحري في منطقة الخليج العربي.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لممر مضيق هرمز المائي
يُعد مضيق هرمز شريان الحياة الرئيسي للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً. وتاريخياً، كان المضيق بؤرة للتوترات الجيوسياسية، لا سيما خلال ‘حرب الناقلات’ في ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الاحتكاكات المستمرة بين الحرس الثوري الإيراني والقوات البحرية الدولية. وتأتي الادعاءات الإيرانية الأخيرة بمثابة محاولة لفرض سيطرة أحادية على هذا الممر الدولي، مما يثير مخاوف الدول المصدرة والمستوردة للنفط على حد سواء، ويعيد إلى الأذهان سيناريوهات تعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
تداعيات إقليمية ودولية وتأثيرها على أسواق الطاقة
تتجاوز تأثيرات التصعيد في المضيق الحدود الإيرانية لتلقي بظلالها على دول الجوار والمجتمع الدولي. وفي هذا السياق، أوضح وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، أن إغلاق مضيق هرمز تسبب بالفعل في توقف تدفق النفط العراقي، وهو ما يمثل ضربة قوية للاقتصاد العراقي الذي يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط. ودعا حسين إلى ضرورة فتح المضيق دون أي عوائق، محذراً من أن استمرار الحرب والتوترات العسكرية سيقود المنطقة بأكملها نحو دمار شامل، مما يستدعي تضافر الجهود الدبلوماسية لتفادي كارثة اقتصادية وأمنية أوسع نطاقاً.
ضربات متبادلة وتحذيرات شديدة اللهجة من الرئيس دونالد ترامب
ميدانياً، شهدت المنطقة تصاعداً خطيراً في حدة التوتر عقب تبادل الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. وشن الجيش الأمريكي غارات جوية استهدفت مواقع في جنوب إيران، وذلك رداً على استهداف سفينة تجارية في المضيق. وفي المقابل، قام الحرس الثوري الإيراني باعتداءات طالت مصالح في الكويت والبحرين، مهدداً بوقف المفاوضات الجارية مع واشنطن. وفي خضم هذا التصعيد، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً شديد اللهجة لطهران، ملوحاً بإمكانية إزالة إيران عن الوجود إذا اضطرت الولايات المتحدة لاستئناف العمليات العسكرية، متهماً الجانب الإيراني بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار المبرم بين الطرفين.
مصير التفاهمات الدبلوماسية واللجان الفنية المشتركة
تأتي هذه التطورات المتسارعة بالرغم من وجود مذكرة تفاهم تم توقيعها بين الجانبين الأمريكي والإيراني في 18 يونيو الماضي. وتتألف هذه المذكرة من 14 بنداً تنص بشكل أساسي على وقف الأعمال العدائية، وتشكيل لجان عمل مشتركة لبحث الملفات العالقة، وفي مقدمتها أمن الملاحة في مضيق هرمز، وآليات رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، بالإضافة إلى ملف الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. وكان من المقرر أن تجتمع هذه اللجان الفنية في العاصمة القطرية الدوحة وإسلام أباد لبحث سبل تطبيق الاتفاق، إلا أن التصعيد الميداني الأخير يضع هذه الجهود الدبلوماسية على المحك ويهدد بانهيار التفاهمات الهشة.


