أعلنت الحكومة الإيرانية عن تشكيل لجنة خاصة لتقصي الحقائق في موجة الاحتجاجات الأخيرة التي عمت البلاد، في خطوة تهدف إلى جمع الوثائق والاستماع للشهادات لفهم أبعاد الأحداث التي بدأت بمطالب اقتصادية وسرعان ما اتخذت طابعاً سياسياً مناهضاً للحكومة. وأكدت المتحدثة باسم الحكومة أن اللجنة ستضم ممثلين عن مختلف المؤسسات المعنية، وأن تقريرها النهائي سيُنشر للرأي العام لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
سياق تاريخي من الاضطرابات المتكررة
تأتي هذه الخطوة في ظل تاريخ حافل بالتحركات الشعبية في إيران خلال العقدين الماضيين. فمنذ “الحركة الخضراء” في عام 2009 التي اندلعت احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية، شهدت البلاد موجات احتجاجية كبرى ومتلاحقة. ففي أواخر 2017 ومطلع 2018، انطلقت مظاهرات واسعة في عشرات المدن الإيرانية احتجاجاً على غلاء المعيشة والفساد، وتطورت شعاراتها لتستهدف النظام بأكمله. وفي نوفمبر 2019، أدت زيادة مفاجئة في أسعار الوقود إلى اندلاع أعنف الاحتجاجات وأكثرها دموية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، حيث قوبلت بقمع شديد وقطع شبه كامل لخدمات الإنترنت. ومؤخراً، أشعلت وفاة الشابة مهسا أميني في حجز “شرطة الأخلاق” عام 2022 احتجاجات واسعة النطاق تحت شعار “امرأة، حياة، حرية”، والتي استمرت لأشهر وشكلت تحدياً كبيراً للسلطات. وغالباً ما تتخذ الحكومة الإيرانية خطوات مماثلة بتشكيل لجان تحقيق بعد قمع الاضطرابات، كجزء من استراتيجيتها للتعامل مع التداعيات الداخلية والخارجية.
الأهمية والتأثيرات المحتملة للجنة التحقيق
على الصعيد المحلي، يُنظر إلى تشكيل هذه اللجنة بعين من الشك والترقب. فبينما قد تعتبرها الحكومة بادرة حسن نية لإظهار جديتها في معالجة المظالم وتحقيق العدالة، يرى الكثير من المواطنين والنشطاء المعارضين أنها قد تكون مجرد أداة لامتصاص الغضب الشعبي وكسب الوقت دون محاسبة حقيقية للمسؤولين عن استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين. وتعتمد مصداقية اللجنة بشكل كامل على مدى استقلاليتها وشفافيتها وصلاحياتها في الوصول إلى المعلومات ومساءلة كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية.
أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الخطوة تخضع لمراقبة حثيثة من قبل الحكومات الأجنبية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش. لطالما واجهت إيران انتقادات دولية شديدة بسبب سجلها في حقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بقمع الاحتجاجات السلمية. ويمكن أن يؤثر تقرير اللجنة ونتائج عملها على صورة إيران في المحافل الدولية وعلاقاتها الدبلوماسية. فإذا ما أفضى التحقيق إلى نتائج ملموسة ومحاسبة فعلية، فقد يخفف ذلك من حدة الضغوط الدولية. أما إذا اعتبر التقرير محاولة للتستر على الانتهاكات، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى مزيد من الإدانات وربما فرض عقوبات جديدة تستهدف أفراداً ومؤسسات إيرانية.


