spot_img

ذات صلة

إيران: برنامج الصواريخ للدفاع لا للتفاوض

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، ومع تزايد الأنباء عن إجراء مناورات صاروخية إيرانية، جددت وزارة الخارجية الإيرانية تأكيدها على أن برنامجها الصاروخي هو برنامج دفاعي بحت ولا يخضع للتفاوض. يأتي هذا الموقف الحازم ليؤكد على استراتيجية طهران الثابتة تجاه قدراتها العسكرية، والتي تعتبرها ركيزة أساسية لأمنها القومي في منطقة مضطربة.

الخلفية التاريخية والدافع وراء البرنامج الصاروخي الإيراني

يعود تاريخ تطوير إيران لبرنامجها الصاروخي إلى فترة ما بعد الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حيث شعرت طهران بضعفها الدفاعي في مواجهة التهديدات الخارجية. دفعت هذه التجربة المريرة القيادة الإيرانية إلى تبني استراتيجية تعتمد على الاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع، مع التركيز بشكل خاص على تطوير قدرات صاروخية رادعة. ترى إيران أن امتلاكها لترسانة صاروخية متنوعة، تشمل صواريخ باليستية وصواريخ كروز، هو أمر حيوي لردع أي عدوان محتمل من قبل قوى إقليمية أو دولية، خاصة في ظل التهديدات المتكررة التي تشير إليها من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الخليج.

لطالما أكدت طهران أن هذه الصواريخ مصممة لأغراض دفاعية بحتة، وأنها لا تحمل رؤوساً نووية، وأنها لا تنتهك أي قرارات دولية ذات صلة. وتعتبر إيران أن برنامجها الصاروخي يمثل حقاً سيادياً غير قابل للمساومة، وهو جزء لا يتجزأ من عقيدتها الدفاعية التي تهدف إلى حماية حدودها ومصالحها الوطنية.

المخاوف الدولية وتأثيرها على العلاقات

على الرغم من تأكيدات إيران المتكررة، فإن برنامجها الصاروخي يظل مصدراً رئيسياً للقلق للعديد من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بالإضافة إلى إسرائيل وبعض حلفائها في المنطقة. تتخوف هذه الدول من مدى الصواريخ الإيرانية وقدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة، فضلاً عن مخاوف بشأن دقتها واحتمال استخدامها لزعزعة الاستقرار الإقليمي أو نقلها إلى جماعات مسلحة متحالفة مع إيران في المنطقة. وقد أدت هذه المخاوف إلى فرض عقوبات إضافية على إيران من قبل الولايات المتحدة، وإلى مطالبات متكررة بضرورة التفاوض حول هذا البرنامج.

كان البرنامج الصاروخي الإيراني نقطة خلاف رئيسية خلال المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA)، حيث أصرت إيران على إبقاء هذا الملف خارج نطاق الاتفاق. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، أصبحت مسألة الصواريخ الإيرانية أحد أبرز العقبات أمام أي محاولات لإحياء الاتفاق أو التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقاً مع طهران.

الأهمية والتأثير المتوقع للموقف الإيراني

إن إصرار إيران على أن برنامجها الصاروخي دفاعي وغير قابل للتفاوض يحمل تداعيات كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يعزز هذا الموقف الشعور بالسيادة الوطنية والقدرة على الدفاع عن النفس في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو ما يلقى دعماً واسعاً داخل البلاد. إقليمياً، يساهم هذا الموقف في استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار في منطقة الخليج، ويزيد من سباق التسلح المحتمل بين القوى الإقليمية، مما يجعل أي حلول دبلوماسية للنزاعات أكثر تعقيداً.

دولياً، يشكل هذا الإصرار تحدياً كبيراً للجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء النفوذ الإيراني أو التوصل إلى اتفاقات أمنية أوسع. فبينما ترى القوى الغربية أن معالجة ملف الصواريخ أمر ضروري لتحقيق الأمن الإقليمي، تعتبره إيران خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه. هذا التباين في المواقف يضع عقبات كبيرة أمام أي حوار مستقبلي، ويجعل من الصعب بناء الثقة بين إيران والمجتمع الدولي، مما قد يؤدي إلى استمرار حالة الجمود والتوتر في المنطقة.

في الختام، يظل البرنامج الصاروخي الإيراني محوراً للجدل الدولي، وتؤكد تصريحات الخارجية الإيرانية على أن طهران لن تتنازل عن ما تعتبره حقها في الدفاع عن نفسها، مما يضع المزيد من التحديات أمام أي مساعٍ لتهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط.

spot_imgspot_img