في خضم حراك دبلوماسي مكثف وتوترات متصاعدة في مياه الخليج، أجرى نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان، ومصر، بدر عبدالعاطي، وتركيا، هاكان فيدان. وتأتي هذه المشاورات الإقليمية بالتزامن مع إصدار واشنطن تحذيرات جديدة لسفنها التجارية التي تعبر مضيق هرمز الاستراتيجي، مما يعكس الطبيعة المزدوجة للمشهد الحالي: مسار دقيق للمفاوضات يقابله استعراض للقوة وتأهب عسكري.
ووفقاً لما نقله التلفزيون الرسمي الإيراني عن وزارة الخارجية، فإن عراقجي أطلع نظراءه على نتائج جولة المفاوضات غير المباشرة التي جرت في مسقط الأسبوع الماضي مع الولايات المتحدة بشأن إحياء الاتفاق النووي. ووصف عراقجي المحادثات بأنها “بداية جيدة”، لكنه شدد في الوقت نفسه على “ضرورة تبديد الشكوك حول نوايا وأهداف الجانب الأمريكي”. من جانبهم، أكد وزراء خارجية الدول الثلاث على أن نجاح هذه المفاوضات يمثل أمراً بالغ الأهمية لتحقيق الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط.
خلفية تاريخية للملف النووي
تعود جذور هذه المفاوضات إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي، التي تم توقيعها عام 2015 بين إيران ومجموعة دول (5+1). هدف الاتفاق إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. إلا أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق بشكل أحادي عام 2018 في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات قاسية ضمن سياسة “الضغط الأقصى”. رداً على ذلك، بدأت إيران في التراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية، مما أثار قلقاً دولياً وإقليمياً من احتمالية سعيها لامتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفيه طهران باستمرار.
أهمية إقليمية ودولية
تحظى هذه المفاوضات باهتمام إقليمي واسع، حيث ترى دول كبرى في المنطقة مثل السعودية ومصر وتركيا أن التوصل إلى حل دبلوماسي سيساهم في نزع فتيل أزمة كبرى قد تكون لها تداعيات كارثية. فاستقرار المنطقة مرتبط بشكل وثيق بضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني، كما أن أي تصعيد عسكري محتمل سيؤثر سلباً على حركة الملاحة العالمية وأسعار الطاقة، فضلاً عن إشعال صراعات بالوكالة في عدة دول. لذلك، يُنظر إلى نجاح الدبلوماسية على أنه مصلحة مشتركة تتجاوز أطراف التفاوض المباشرة.
تحذيرات في مضيق هرمز
على صعيد موازٍ، أصدرت الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأمريكية إرشادات جديدة للسفن التجارية التي ترفع العلم الأمريكي، حثتها على البقاء بعيداً قدر الإمكان عن المياه الإقليمية الإيرانية عند عبور مضيق هرمز. كما تضمنت التعليمات رفض أي طلب من القوات الإيرانية بالصعود على متن السفن، مع التأكيد على أطقم السفن بعدم مقاومة القوات الإيرانية في حال صعودها على متنها بالقوة. يعكس هذا التحذير المخاوف من تكرار حوادث احتجاز السفن التي وقعت في الماضي، ويبرز مدى هشاشة الوضع الأمني في هذا الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي.
وفي تصريحات تعكس الأمل الحذر، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن “الباب قد فُتح قليلاً” أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق. وأضاف أن قرار بدء المفاوضات كان خطوة مهمة، محذراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة. تبقى الأسابيع القادمة حاسمة لتحديد ما إذا كان مسار الدبلوماسية سيتغلب على لغة التهديدات العسكرية.


