spot_img

ذات صلة

احتجاجات إيران: شوارع ملتهبة، قمع، وعزلة رقمية | تحليل شامل

إيران في مفترق طرق: احتجاجات متصاعدة، عزلة رقمية، وضغوط دولية غير مسبوقة

مع دخول الاحتجاجات الشعبية في إيران أسبوعها الثالث، تتشابك خيوط الداخل الملتهب مع ضغوط الخارج المتصاعدة، في مشهد ينذر بمرحلة أكثر تعقيداً وتحدياً للنظام الإيراني. الشوارع الإيرانية تغلي بالغضب، في حين يواجه المواطنون عزلة رقمية شبه كاملة بسبب قطع الإنترنت، وتتزايد التحذيرات الأمنية المشددة، بينما يتصاعد السجال السياسي الدولي حول مستقبل البلاد. تبدو طهران اليوم أمام أحد أخطر اختبارات الاستقرار منذ عقود، في ظل تحديات داخلية وخارجية متفاقمة.

جذور الغضب: سياق تاريخي وتحديات اقتصادية واجتماعية

لم تكن موجة الاحتجاجات الحالية حدثاً معزولاً، بل هي حلقة في سلسلة طويلة من الاضطرابات التي شهدتها إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979. فمنذ عقود، تتراكم المظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي انفجرت في مناسبات عدة، أبرزها حركة الإصلاح عام 1999، والاحتجاجات الواسعة عام 2009 المعروفة بـ”الحركة الخضراء”، وموجات الغضب الشعبي في 2017-2018 و2019 التي كانت غالباً ما تشتعل بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية. هذه الخلفية التاريخية تشير إلى أن المطالب الحالية تتجاوز مجرد القضايا الاقتصادية لتشمل دعوات أعمق للتغيير السياسي والاجتماعي.

انطلقت الشرارة الأخيرة للاحتجاجات في 28 ديسمبر، إثر إضراب تجار في بازار طهران، احتجاجاً على الانهيار المتسارع للعملة الوطنية والارتفاع الجنوني للأسعار، ما يعكس عمق الأزمة المعيشية التي يعاني منها المواطنون. لكن سرعان ما تحول هذا الحراك الاقتصادي إلى مواجهة سياسية شاملة، ترفع شعارات تطالب بتغيير جذري في بنية الحكم، وتطال أركان النظام نفسه. هذه الموجة تمثل تحدياً وجودياً للنظام الإيراني، خاصة وأنها تأتي في أعقاب أشهر من التوتر الإقليمي وحرب قصيرة مع إسرائيل، شاركت فيها الولايات المتحدة، مما يزيد من تعقيد المشهد.

قمع داخلي وعزلة رقمية: تداعيات على حقوق الإنسان

في مواجهة هذا التصعيد، لجأت السلطات الإيرانية إلى إجراءات قمعية صارمة. تواصل فرض انقطاع شبه كامل لخدمات الإنترنت منذ أكثر من 60 ساعة، في محاولة لخنق التواصل بين المحتجين ومنع انتشار الأخبار والصور من داخل البلاد. هذه “العزلة الرقمية” تثير قلقاً دولياً واسعاً بشأن حرية التعبير وحقوق الإنسان. وقد أعلنت منظمات معنية بحقوق الإنسان أن قوات الأمن استخدمت الذخيرة الحية لتفريق المحتجين، مؤكدة مقتل ما لا يقل عن 192 شخصاً، وهو رقم مرشح للزيادة. في المقابل، تسعى السلطات لإظهار تماسك داخلي عبر تنظيم مسيرات داعمة للنظام، في محاولة لمواجهة الرواية الشعبية المتصاعدة.

على الصعيد الداخلي، شدد الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان على ضرورة منع ما وصفه بـ«محاولات زعزعة الاستقرار»، مؤكداً على أولوية الأمن القومي. كما رفع «الحرس الثوري» سقف خطابه الأمني، مؤكداً أن الحفاظ على الأمن يمثل «خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه»، فيما أعلن الجيش استعداده لحماية المنشآت والممتلكات العامة. هذه التصريحات تزامنت مع استمرار الاضطرابات، حيث أُضرمت النيران في مبنى بلدي بمدينة كرج غرب طهران، وبث التلفزيون الرسمي مشاهد جنازات لعناصر أمنية قُتلوا خلال المواجهات في عدة مدن، في محاولة لتأجيج المشاعر المؤيدة للنظام.

تأثير إقليمي ودولي: توتر دبلوماسي ومواقف متقابلة

تجاوزت تداعيات الاحتجاجات الحدود الإيرانية، لتلقي بظلالها على الساحة الدولية. فقد شهدت العلاقات الإيرانية البريطانية توتراً دبلوماسياً حاداً، بعد استدعاء وزارة الخارجية الإيرانية للسفير البريطاني في طهران. جاء ذلك احتجاجاً على حادثة وُصفت بالإساءة الوطنية، تمثلت في استبدال العلم الإيراني على واجهة السفارة في لندن بعلم يعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية، خلال مظاهرة داعمة للاحتجاجات. اعتبرت طهران الخطوة تعدياً رمزياً وتدخلاً مباشراً في شؤونها الداخلية، خاصة مع تصريحات وزير الخارجية البريطاني التي أدانت القمع. هذا الحادث يسلط الضوء على عمق الانقسام بين النظام الإيراني وبعض القوى الغربية، ويؤكد على حساسية الرموز التاريخية في الصراع الدائر.

أما على الصعيد الدولي الأوسع، فقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن صدمته إزاء تقارير تتحدث عن قمع عنيف، داعياً إلى ضبط النفس وحماية المدنيين. وتصاعدت حدة المواقف من العواصم الغربية؛ إذ حذرت واشنطن طهران من مغبة التصعيد، وأكدت دعمها لما وصفته بـ«الشعب الإيراني الشجاع»، في حين توالت الإدانات الأوروبية لأساليب التعامل مع المحتجين. هذه المواقف الدولية تضع ضغوطاً إضافية على النظام الإيراني، وتزيد من عزلته، وقد تؤثر على مسار المفاوضات النووية المتوقفة، وتفاقم التوترات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط الحساسة.

خريطة الاحتجاجات تتوسع: مستقبل غامض

تواصل خريطة الاحتجاجات التوسع، لتشمل مناطق أوسع داخل العاصمة طهران، خاصة في الشمال والشمال الشرقي والغربي، وشهدت مدينة كرج تطورات لافتة. كما امتدت المظاهرات إلى مدن كبرى في المحافظات، بينها مشهد، تبريز، شيراز، ويزد، ما يعكس اتساع رقعة الغضب الشعبي وتعمقه. هذا الانتشار الجغرافي يمثل تحدياً لوجستياً وأمنياً كبيراً للسلطات، ويدل على أن الأزمة أصبحت وطنية بامتياز.

في الختام، تواجه إيران لحظة تاريخية فارقة. فبين شوارع ملتهبة تطالب بالتغيير، وعزلة رقمية تفرضها السلطات، وضغوط دولية متزايدة، يبقى مستقبل البلاد معلقاً. إن قدرة النظام على احتواء هذه الموجة من الاحتجاجات، ومدى استعداده للاستجابة للمطالب الشعبية، سيحدد مسار إيران في السنوات القادمة، وستكون له تداعيات عميقة على الاستقرار الإقليمي والدولي.

spot_imgspot_img