تشهد المدن الإيرانية الكبرى تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي دخلت أسبوعها الثالث، وسط تقارير مقلقة عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا. فقد كشف مسؤول إيراني عن مقتل نحو 2000 شخص، بينهم أفراد من قوات الأمن، في هذه المظاهرات المستمرة. هذا التصعيد دفع بعدة دول غربية إلى دعوة رعاياها لمغادرة البلاد فوراً، مما يعكس قلقاً دولياً متزايداً إزاء الأوضاع الأمنية والإنسانية في الجمهورية الإسلامية.
خلفية تاريخية وسياق الاحتجاجات:
لم تكن هذه الاحتجاجات هي الأولى من نوعها في إيران، حيث شهدت البلاد على مر السنين موجات متكررة من التظاهرات الشعبية، غالباً ما تكون مدفوعة بمزيج من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، واجهت إيران تحديات داخلية وخارجية جمة. اقتصادياً، تعاني البلاد من تضخم مرتفع، وبطالة، وتأثيرات العقوبات الدولية التي فرضتها الولايات المتحدة ودول أخرى، خاصة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة). هذه الضغوط الاقتصادية غالباً ما تكون الشرارة التي تفجر الغضب الشعبي، إلى جانب المطالب المتعلقة بالحريات الاجتماعية والسياسية. هذه الموجة الحالية من الاحتجاجات تأتي في سياق من التوترات الإقليمية والدولية المتصاعدة، مما يضيف تعقيداً إلى المشهد الداخلي.
دعوات دولية للمغادرة وانقطاع الاتصالات:
في ظل هذه الأجواء المتوترة، دعت الولايات المتحدة الأمريكية مواطنيها، وخاصة حاملي الجنسيتين الأمريكية والإيرانية، إلى مغادرة إيران على الفور، مشيرة إلى “خطر كبير بالاستجواب والاعتقال والاحتجاز”. وقد نصحت الخارجية الأمريكية رعاياها بالتوجه براً إلى أرمينيا أو تركيا أو أذربيجان في حال الضرورة القصوى. وانضمت إلى هذه الدعوة كل من السويد وأستراليا وبولندا والهند، مما يؤكد على الإجماع الدولي حول خطورة الوضع. كما أفادت تقارير إعلامية غربية بمغادرة موظفين دبلوماسيين غير أساسيين من السفارة الفرنسية في طهران، في خطوة تعكس تدهور الأوضاع الأمنية والدبلوماسية.
تزامنت هذه التطورات مع اضطرابات واسعة في خدمات الاتصالات. فبعد أيام من قطع خدمة الإنترنت، بدأت الهواتف المحمولة في إيران تستعيد تدريجياً القدرة على إجراء مكالمات دولية. ومع ذلك، لا تزال البلاد محرومة من خدمة الإنترنت بشكل كامل منذ 8 يناير، وفقاً لمنظمة “نتبلوكس” غير الحكومية المتخصصة في مراقبة الإنترنت. هذا الانقطاع يثير مخاوف جدية بشأن حرية تدفق المعلومات وقدرة المواطنين على التواصل، سواء داخلياً أو مع العالم الخارجي، في أوقات الأزمات.
تهديدات أمريكية وتداعيات اقتصادية:
على الصعيد الدولي، تصاعدت حدة التصريحات الأمريكية تجاه إيران. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أي دولة تتعامل تجارياً مع إيران، التي تعد منتجاً رئيسياً للنفط، ستواجه رسوماً جمركية جديدة بنسبة 25% على صادراتها إلى الولايات المتحدة. وصف ترامب هذا الإجراء بأنه “نهائي وقاطع”، لكنه لم يقدم تفاصيل حول الأساس القانوني لفرضه أو ما إذا كان سيستهدف جميع شركاء إيران التجاريين. هذه التهديدات تضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الإيراني المنهك بالفعل، وتهدد بتعقيد العلاقات التجارية الدولية مع طهران.
ولم يقتصر التحذير الأمريكي على الجانب الاقتصادي، بل امتد ليشمل تهديداً بشن هجوم عسكري إذا أطلقت قوات الأمن الإيرانية النار على المتظاهرين. ورغم تأكيد المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، أن “الدبلوماسية هي الخيار الأول دائماً بالنسبة للرئيس”، إلا أنها أشارت إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس “بدائل عديدة” منها الغارات الجوية. هذه التصريحات تعكس مستوى عالياً من التوتر بين واشنطن وطهران، وتثير مخاوف من تصعيد عسكري محتمل في المنطقة، مما قد تكون له تداعيات إقليمية ودولية خطيرة.
الأهمية والتأثير المتوقع:
تكتسب هذه الاحتجاجات أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، تمثل تحدياً كبيراً للسلطات الإيرانية، وتكشف عن عمق السخط الشعبي. قد تؤدي استمرارية هذه الاحتجاجات إلى تغييرات في السياسات الداخلية أو حتى في القيادة، أو على الأقل إلى إعادة تقييم لنهج الحكومة في التعامل مع المطالب الشعبية. إقليمياً، يمكن أن تؤثر الاضطرابات في إيران على استقرار المنطقة بأسرها، نظراً لدور طهران المحوري في العديد من الصراعات الإقليمية. دولياً، تضع هذه الأحداث المجتمع الدولي أمام مسؤولية مراقبة حقوق الإنسان وحماية المدنيين، وتزيد من تعقيد العلاقات بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة وإيران، مما قد يؤثر على أسواق النفط العالمية والجهود الدبلوماسية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. إن الوضع في إيران يظل متقلباً، وتداعياته المحتملة قد تتجاوز حدود البلاد بكثير.


