spot_img

ذات صلة

احتجاجات إيران: هدوء حذر، ضغوط دولية ومستقبل الإنترنت

تشهد إيران في الآونة الأخيرة هدوءاً نسبياً في وتيرة الاحتجاجات التي عمت البلاد، مع تراجع ملحوظ في حدتها وعودة تدريجية لبعض الخدمات الأساسية، بما في ذلك الإنترنت. يأتي هذا التطور في ظل تنديد دولي واسع، حيث أعربت مجموعة السبع عن قلقها الشديد واستعدادها لاتخاذ تدابير تقييدية إضافية ضد طهران إذا استمرت في قمع المظاهرات.

سياق الاحتجاجات والاضطرابات في إيران

تاريخياً، شهدت إيران موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية، غالباً ما تكون مدفوعة بمزيج من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. تعود جذور الاحتجاجات الأخيرة، التي أشارت إليها التقارير بأنها بدأت في 28 ديسمبر الماضي، إلى شكاوى اقتصادية حادة، حيث انطلقت شرارتها بإغلاق البازار الكبير في طهران، وهو مركز اقتصادي حيوي. سرعان ما تحولت هذه المظاهرات، التي بدأت بمطالب معيشية، إلى انتقادات أوسع نطاقاً ضد السلطات الحاكمة، عاكسةً استياءً شعبياً متزايداً من قضايا مثل التضخم، البطالة، والفساد المستشري. هذه النمطية في تحول الاحتجاجات الاقتصادية إلى سياسية ليست جديدة في المشهد الإيراني، وقد تكررت في أحداث سابقة مثل احتجاجات عامي 2009 و2019، حيث لعبت قضايا مثل الحريات المدنية وحقوق الإنسان دوراً محورياً إلى جانب المطالب الاقتصادية.

الأزمة مع الدول السبع والرد الإيراني

في هذا السياق، نددت إيران بشدة بتدخلات دول مجموعة السبع، التي أعلنت استعداد أعضائها لاتخاذ تدابير تقييدية إضافية ضد طهران إذا واصلت قمع الاحتجاجات. اعتبرت وزارة الداخلية الإيرانية بيان المجموعة تدخلاً صارخاً في شؤونها الداخلية، مؤكدة أن المجموعة تتجاهل عن عمد تحول التظاهرات السلمية للشعب الإيراني إلى أعمال عنف على يد “عناصر إرهابية جرى تسليحها عبر الصهاينة”، مما أدى إلى مقتل عدد من أفراد قوات الأمن. وأشارت طهران إلى أنها ستواصل موقفها الحازم في حماية مواطنيها والحفاظ على النظام العام، والتصدي لما تصفه بـ”الأعمال الإرهابية التي تُدار من الخارج”. هذا الموقف يعكس استراتيجية إيرانية ثابتة في مواجهة الضغوط الدولية، تقوم على رفض التدخلات الخارجية وتأكيد السيادة الوطنية، مع تحميل أطراف أجنبية مسؤولية تأجيج الاضطرابات الداخلية.

انقطاع الاتصال بالإنترنت: أداة للتحكم أم ضرورة أمنية؟

على صعيد آخر، أعلنت مجموعة المراقبة «نت بلوكس» أن الاتصال بالإنترنت ارتفع “بشكل طفيف جداً” بعد مرور أكثر من 200 ساعة على الإغلاق الشامل، مبينة أن مستوى الاتصال لا يزال عند نحو 2% فقط من المعدل الطبيعي، ولا توجد أي مؤشرات على عودة كبيرة. كانت السلطات الإيرانية قد صرحت بأن القيود على الاتصالات سترفع بشكل تدريجي وعلى مراحل، بدءاً من الرسائل النصية، ثم الاتصال الكامل بالشبكة الوطنية، وأخيراً إعادة ربط البلاد بالإنترنت الدولي. وعزا مسؤولون إيرانيون أسباب تقييد الوصول إلى الإنترنت إلى منع هجمات سيبرانية خارجية وأعمال تخريبية، مؤكدين على ضرورة حماية الأمن القومي. في المقابل، اتهمت منظمات حقوقية السلطات الإيرانية بالسعي إلى التعتيم على ما وصفته بـ”حملات القمع” ضد المحتجين، واستخدام قطع الإنترنت كأداة لإسكات المعارضة ومنع انتشار المعلومات والصور والفيديوهات التي توثق الأحداث على الأرض.

مخطط لفصل الإنترنت العالمي: نحو شبكة وطنية محكمة

تثير هذه القيود مخاوف أعمق بشأن مستقبل الإنترنت في إيران. فقد كشفت منظمة «فليتروواتش»، التي تراقب الرقابة على الإنترنت في إيران، عن خطط طهران لفصل الإنترنت عن الشبكة العالمية بشكل دائم، والسماح فقط للأفراد الذين يجتازون فحوصات وموافقات حكومية بالوصول إلى نسخة محدودة من الإنترنت الدولي، فيما سيقتصر وصول بقية السكان على الإنترنت الوطني الداخلي. ونقلت المنظمة عن عدة مصادر داخل إيران قولها إن هناك خطة سرية جارية لتحويل الوصول إلى الإنترنت الدولي إلى امتياز حكومي، وليس حقاً عاماً. وذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية أن تقرير المنظمة أشار إلى أن الإعلام الرسمي وممثلين حكوميين أكدوا أن هذا التحول سيكون دائماً وأن الوصول غير المقيد لن يعود بعد عام 2026. هذا التوجه نحو “الشبكة الوطنية للمعلومات” (الإنترنت الوطني) يهدف إلى تعزيز السيطرة الحكومية على المحتوى، وتصفية المعلومات، وتقييد التواصل الحر، مما سيكون له تأثيرات عميقة على حرية التعبير، الاقتصاد الرقمي، وقدرة المواطنين على الوصول إلى المعرفة العالمية.

التأثيرات المتوقعة محلياً ودولياً

إن استمرار هذه السياسات، سواء قمع الاحتجاجات أو تقييد الإنترنت، يحمل في طياته تداعيات كبيرة. محلياً، يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الاستياء الشعبي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب العزلة الرقمية، وتضييق الخناق على الحريات الأساسية. دولياً، تضع هذه الأحداث إيران تحت مجهر الرقابة الدولية، وتزيد من التوترات مع القوى الغربية، وتثير نقاشات أوسع حول حقوق الإنسان وحرية الإنترنت كحق أساسي. إن الصراع بين سعي الدولة للسيطرة على المعلومات وحركة المواطنين، وبين مطالب الشعب بالشفافية والوصول الحر إلى المعرفة، يظل تحدياً محورياً يواجه إيران والمجتمع الدولي.

spot_imgspot_img