تترقب العواصم العالمية، وعلى رأسها واشنطن وطهران، جولة مفاوضات حاسمة في إسطنبول، والتي قد تمثل نقطة تحول في مسار التوترات المتصاعدة بين البلدين. في ظل هذه الأجواء المشحونة، أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أمله في التوصل إلى اتفاق دبلوماسي، لكنه لم يتردد في التلويح بالخيار العسكري كبديل في حال فشل المساعي التفاوضية.
من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في تركيا، في محاولة لخفض التصعيد الذي بلغ مستويات خطيرة. هذه المحادثات تأتي في سياق تاريخي معقد من العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي شهدت تصعيداً كبيراً منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2018. كان هذا الانسحاب، الذي وصفه ترامب بأنه “أسوأ اتفاق على الإطلاق”، قد أعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران، مما أثر بشكل كبير على اقتصادها ودفعها تدريجياً للتراجع عن بعض التزاماتها النووية. حملة “الضغط الأقصى” الأمريكية هدفت إلى إجبار إيران على التفاوض على اتفاق أوسع يشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي، وهو ما رفضته طهران باستمرار، معتبرة إياه تدخلاً في شؤونها السيادية.
وفي تصريحات أدلى بها من المكتب البيضاوي، مساء الإثنين، أكد الرئيس ترامب أن “لدينا محادثات جارية مع إيران، وسنرى كيف ستسير الأمور”. ورغم تفضيله للحل الدبلوماسي، إلا أنه حذر من أن “أموراً سيئة” قد تحدث إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، ملمحاً إلى القوة العسكرية الهائلة التي تحركها الولايات المتحدة حالياً، والتي وصفها بأنها “أكبر” من تلك التي أرسلت إلى فنزويلا. هذا الموقف يعكس استراتيجية “العصا والجزرة” التي اتبعتها إدارته للتعامل مع الملف الإيراني، حيث يمزج بين الدعوة للحوار والتهديد بالرد العسكري.
من جانبه، أظهرت طهران استعداداً مشروطاً للحوار. فقد أوعز الرئيس الإيراني حسن روحاني (وفقاً لتصريحات سابقة منسوبة للرئيس الإيراني في سياق مشابه) لوزير خارجيته بالتحضير لمفاوضات مع الولايات المتحدة، على أسس “عادلة ومنصفة تحفظ مبادئ الكرامة” و”في إطار المصالح الوطنية”. وأكد روحاني على ضرورة توفر أجواء مناسبة وخالية من التهديد وبعيدة عن التوقعات غير المنطقية، مما يشير إلى أن إيران تسعى لحوار يحترم سيادتها ومكانتها، ولا يخضع لإملاءات خارجية.
وتشير التقارير الدبلوماسية إلى أن المحادثات المرتقبة بين واشنطن وطهران ستنصب في مرحلتها الأولى على البرنامج النووي الإيراني، دون التطرق إلى قضايا أخرى مثل ترسانة الصواريخ الباليستية أو دعم طهران لجماعات إقليمية. ومع ذلك، تتوقع المصادر أن تضع محادثات تركيا الأسس لمعالجة مجموعة أوسع من القضايا في المستقبل، وقد تُقسَّم إلى مسارين: أحدهما يركز على الملف النووي، والآخر يتناول ملفات أوسع تشمل مطالب الولايات المتحدة بفرض قيود على برنامج الصواريخ الإيرانية ونفوذها الإقليمي. هذه النقطة تمثل عقبة رئيسية، حيث أبلغت إيران الوسطاء الإقليميين أنها ستناقش برنامجها النووي فقط، بينما تطالب واشنطن بمحادثات أشمل.
تكتسب هذه المفاوضات أهمية قصوى على الصعيدين الإقليمي والدولي. إقليمياً، يظل استقرار الشرق الأوسط معلقاً بشكل كبير بنتائج هذه المحادثات. أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى صراعات أوسع في مناطق حساسة مثل اليمن وسوريا والعراق ولبنان، حيث تتصارع المصالح الإيرانية والأمريكية وحلفائهما. دول الخليج وإسرائيل تتابع بقلق بالغ، فاستقرار المنطقة مرتبط بشكل مباشر بتهدئة التوترات بين واشنطن وطهران. وفي هذا السياق، زار المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إسرائيل قبل توجهه إلى تركيا، حيث التقى برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وكشفت تقارير إسرائيلية أن المسؤولين الإسرائيليين سيطرحون على ويتكوف ثلاثة مطالب محددة بشأن إيران: عدم امتلاك برنامج نووي، وعدم امتلاك برنامج للصواريخ الباليستية، وعدم تقديم أي دعم للجماعات المرتبطة بها، مما يعكس عمق التحدي الأمني الذي تراه تل أبيب في طهران.
دولياً، تحمل هذه المفاوضات أهمية كبرى لمنع انتشار الأسلحة النووية. ففشل الدبلوماسية قد يدفع إيران نحو تطوير قدرات نووية أكبر، مما يهدد الأمن العالمي ويفتح الباب أمام سباق تسلح محتمل في المنطقة. كما أن أسواق النفط العالمية تتأثر بشكل مباشر بالتوترات في مضيق هرمز ومناطق الإنتاج الرئيسية، وأي اضطراب هناك يمكن أن تكون له تداعيات اقتصادية عالمية. هذه الجولة من المحادثات تمثل فرصة أخيرة لتجنب مواجهة عسكرية محتملة، لكنها محفوفة بالتحديات الكبيرة وتتطلب تنازلات حقيقية من الطرفين للوصول إلى حلول مستدامة. مصير المنطقة والعالم معلق بنتائج جولة إسطنبول.


