في تصعيد جديد يعكس هشاشة المسار الدبلوماسي، أعلنت طهران بشكل واضح أنها لا تملك أي خطة للجولة المقبلة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية، مؤكدة أن القرار لم يُتخذ بعد. يأتي هذا الإعلان في وقت تتصاعد فيه الاتهامات المتبادلة بين الطرفين حول خروقات وقف إطلاق النار وأزمة مضيق هرمز، مما يلقي بظلاله على أي آمال في تهدئة التوترات المستمرة بين البلدين.
تاريخ طويل من التوتر: جذور الأزمة الحالية
إن تعثر المفاوضات الإيرانية الأمريكية ليس حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من التوترات التي تعود لعقود. فالعلاقات بين واشنطن وطهران شهدت تقلبات كبيرة منذ الثورة الإيرانية عام 1979، مروراً بأزمة الرهائن، وصولاً إلى الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني ودور إيران الإقليمي. كان الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) يمثل نقطة تحول نحو التهدئة، حيث وافقت إيران على تقييد برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الدولية. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات أدى إلى تدهور حاد في العلاقات، ودفع طهران إلى التراجع عن بعض التزاماتها النووية، مما أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر تقريباً وأشعل فتيل التصعيد الحالي.
لا قرار.. ولا جولة قادمة
أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن بلاده «ليس لديها أي خطط للجولة القادمة من المفاوضات، ولم يتم اتخاذ أي قرار في هذا الشأن»، مشدداً على أن طهران ستتخذ قرارها «بدقة وبما يخدم مصالحها». وأضاف أن المشاركة في أي جولة مقبلة لا تزال غير محسومة حتى الآن، في إشارة إلى تعقيد المشهد التفاوضي وغياب أرضية مشتركة واضحة، مما يعكس عمق الخلافات وعدم وجود رؤية موحدة للحل.
اتهامات مباشرة لواشنطن ونقض الثقة
صعدت طهران لهجتها باتهام الولايات المتحدة بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن واشنطن فرضت حصاراً بحرياً على إيران ونقضت الاتفاق منذ بدايته. وقال المتحدث إن بلاده «لا يمكن أن تنسى» الهجوم الأمريكي أثناء جولات تفاوض سابقة، معتبراً ذلك دليلاً على غياب الثقة، ومؤكداً أن طهران أبلغت الوسيط الباكستاني بهذه الخروقات. كما وسعت إيران دائرة الاتهام لتشمل ملف لبنان، معتبرة أن واشنطن نقضت تعهداتها بشأن وقف إطلاق النار رغم قبوله سابقاً، مشيرة إلى أن فتح مضيق هرمز كان جزءاً من هذا التفاهم. أكدت الخارجية الإيرانية أن طهران «لا تثق أبداً» في الجانب الأمريكي، متهمة إياه بـ«خيانة الثقة على مدى طويل»، ومعتبرة أن الطرف المقابل يواصل «المسار الخاطئ» دون استعداد لتغيير نهجه. أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن بلاده «غير متفائلة» إزاء السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن تقييم طهران للمشهد يستند إلى سجل طويل من التجارب التي أضعفت الثقة بين الطرفين.
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي ونقطة الاشتعال
ربطت إيران التوترات في مضيق هرمز بالاعتداءات «الأمريكية الإسرائيلية»، مشددة على أن المضيق كان آمناً قبل هذه التطورات. كما حملت المجتمع الدولي مسؤولية ما وصفته بتعريض أمن الملاحة للخطر، مؤكدة أنها سترد «بكل قوة» على أي اعتداء. يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. أي تصعيد في هذه المنطقة الحيوية له تداعيات اقتصادية وجيوسياسية خطيرة، ليس فقط على دول المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره. التهديد بأمن الملاحة في المضيق يرفع منسوب القلق الدولي ويزيد من تعقيد جهود الوساطة لتهدئة الأوضاع.
رفض نقل اليورانيوم وتصعيد ميداني
شددت طهران على أن نقل اليورانيوم المخصب لم يكن مطروحاً من جانبها في أي مرحلة من مراحل التفاوض، في موقف يعكس تمسكها بخطوطها الحمراء في الملف النووي. واعتبرت الخارجية الإيرانية أن الطروحات الأمريكية «غير جديدة» ومطالبها «غير واقعية»، مؤكدة أن موقفها التفاوضي واضح وثابت «ولن يتغير». وفي تصعيد لافت، أكدت طهران أنها لا تكترث بالمواعيد النهائية أو التحذيرات، مشددة على أن حماية المصالح الوطنية تتقدم على أي ضغوط خارجية. تزامنت هذه التصريحات مع تأكيد السفير الإيراني لدى باكستان رضا أميري أن أي تقدم تفاوضي مشروط برفع الحصار البحري الأمريكي، مشدداً على أن نقاط الخلاف ستبقى قائمة ما دام الحصار مستمراً. وجاء ذلك عقب احتجاز القوات الأمريكية سفينة الشحن الإيرانية «توسكا»، في خطوة زادت من تعقيد المشهد الميداني والدبلوماسي.
ترمب: «الفرصة الأخيرة» وتداعيات إقليمية ودولية
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد رفع سقف التهديد، معتبراً أن ما يُعرض على طهران هو «الفرصة الأخيرة»، واصفاً العرض الأمريكي بأنه «عادل ومعقول». ولوح ترمب بتدمير واسع للبنية التحتية في إيران، بما يشمل الجسور ومحطات الكهرباء، في حال عدم التوصل إلى اتفاق. هذه التصريحات الحادة من كلا الجانبين تعكس عمق الأزمة وتأثيرها المحتمل على الاستقرار الإقليمي والدولي. فتعثر المفاوضات الإيرانية الأمريكية قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد العسكري، وتأجيج الصراعات بالوكالة في المنطقة، وارتفاع أسعار النفط، مما يهدد الأمن والسلم العالميين. المجتمع الدولي يراقب بقلق بالغ هذه التطورات، داعياً إلى ضبط النفس والعودة إلى طاولة الحوار لإيجاد حلول دبلوماسية مستدامة.


