في خضم تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران، أعلن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، عن استعداد طهران للدخول في مفاوضات مع واشنطن، مؤكداً على ضرورة أن تكون هذه المحادثات “حقيقية” وبعيدة عن أي إملاءات. هذا الموقف يعكس تعقيدات العلاقة بين البلدين، والتي شهدت تقلبات حادة على مدى عقود، ووصلت إلى ذروتها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.
تأتي هذه التصريحات على خلفية تاريخ طويل من عدم الثقة والعداء المتبادل، والذي تفاقم بشكل كبير بعد قرار إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في عام 2018 بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني. هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه في عام 2015 بين إيران والقوى العالمية الكبرى، كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية. إلا أن انسحاب واشنطن وإعادة فرض “حملة الضغط الأقصى” على طهران أدى إلى تدهور اقتصادي حاد في إيران وتصعيد مستمر للتوترات في المنطقة، مما جعل أي حديث عن المفاوضات محفوفاً بالشكوك من الجانب الإيراني.
قاليباف شدد على أن طهران لا ترى في “فرض الإرادة” تفاوضاً، وهو ما يفسر إصرارها على أن تكون أي محادثات مستقبلية مبنية على الاحترام المتبادل ومصحوبة بضمانات قوية. هذا الشرط ينبع من تجربة إيران السابقة مع الاتفاق النووي، حيث شعرت بأن الولايات المتحدة لم تلتزم بتعهداتها، مما أضر بمصالح الشعب الإيراني الاقتصادية. فالمفاوضات الحقيقية، من وجهة نظر طهران، يجب أن تضمن رفع العقوبات وتأمين المصالح الاقتصادية للشعب الإيراني، وليس مجرد وسيلة لفرض شروط طرف على آخر.
الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الأمريكية كان لها تأثير مدمر على الاقتصاد الإيراني، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وتدهور قيمة العملة وتفاقم المشكلات المعيشية للمواطنين. وقد اعترف رئيس البرلمان بوجود مشكلات داخلية قد تكون ناتجة عن سوء إدارة، إلا أنه ألقى باللوم الأكبر على “الضغوط الاستبدادية” للعقوبات. هذه الظروف الاقتصادية الصعبة كانت عاملاً رئيسياً في اندلاع الاحتجاجات الداخلية التي شهدتها إيران في الفترات الماضية، والتي أشار قاليباف إلى أن “جهات خارجية” كانت وراء مخطط لزعزعة الاستقرار، متعهداً بمحاكمة سريعة للمسؤولين عن الأحداث والسعي للثأر لدماء عناصر الأمن الذين سقطوا.
على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استمرار التوتر بين واشنطن وطهران يمثل تهديداً خطيراً للاستقرار في منطقة الخليج العربي، التي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية. أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على أسعار النفط والاقتصاد العالمي، فضلاً عن إمكانية جر المنطقة إلى صراع أوسع نطاقاً. تحذيرات قاليباف من أن إيران سترد على أي هجوم، مما يعرض آلاف الجنود الأمريكيين للخطر، تؤكد على المخاطر الكبيرة المترتبة على حشد القوات الأمريكية في المنطقة. المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الأوروبية وروسيا والصين، يراقب الوضع بقلق ويدعو باستمرار إلى ضبط النفس والعودة إلى المسار الدبلوماسي.
وفي ختام تصريحاته، وجه قاليباف رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، محذراً إياه من أن بدء الحرب قد يكون سهلاً، لكن السيطرة عليها أو إنهائها أمر مستحيل. ودعاه إلى الابتعاد عن “دعاة الحرب” من حوله إذا كان يطمح للحصول على جائزة نوبل للسلام، مؤكداً أن الدبلوماسية الحقيقية هي السبيل الوحيد لتجنب المزيد من التصعيد. هذه الدعوة تعكس رغبة إيرانية، وإن كانت مشروطة، في إيجاد مخرج للأزمة، لكنها تضع الكرة في ملعب واشنطن لتقديم ضمانات حقيقية لمصالح طهران.
إن الموقف الإيراني، الذي يجمع بين الاستعداد المشروط للتفاوض والتحذير الشديد من عواقب التصعيد، يسلط الضوء على التعقيدات الجوهرية في العلاقة بين البلدين. فبينما تسعى طهران لحماية مصالحها الاقتصادية وسيادتها، تظل واشنطن متمسكة بضغوطها. إن إيجاد حل مستدام يتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة وموثوقة، قادرة على بناء جسور الثقة المفقودة وتأمين مصالح جميع الأطراف المعنية، لتجنب المزيد من عدم الاستقرار في منطقة حيوية للعالم.


