انطلقت الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف اليوم، بوساطة عمانية، حيث جددت طهران موقفها الرافض للتفاوض حول قضاياها الدفاعية، وفي مقدمتها صواريخها الباليستية، واستبعدت تقديم أي تنازلات تحت الضغط. أكد مسؤول إيراني رفيع أن وفد بلاده لن يتفاوض إلا حول الملف النووي، مستبعداً مناقشة المسائل الدفاعية.
وشدد مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، مجيد تخت روانجي، على ضرورة التيقظ والحذر، قائلاً: «علينا أن ننتبه حتى لا نُلدغ من الجحر ذاته مرتين»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية. وأضاف: «إذا كان الطرف المقابل يعتقد واهماً أنه يستطيع انتزاع تنازلات من إيران عبر الضغوط، فعلينا أن نثبت له عملياً أنه يعيش وهماً».
من جانبه، أشار نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، عباس مقتدائي، إلى أنه «نظراً لسجل المراوغة والخداع في السياسة الخارجية الأمريكية، يتعين على إيران الدخول في المفاوضات بدقة حتى لا تترتب أي مشكلات على البلاد». واعتبر أن على الجانب الأمريكي رفع العقوبات، مؤكداً أن بلاده مستعدة أيضاً لضبط نسبة التخصيب بما يتناسب مع الاتفاق، مقابل الامتيازات التي ستحصل عليها. ولفت إلى أن قوة إيران بعد حرب الـ 12 يوماً لم تتراجع بل ازدادت، حسب قوله.
وكان روانجي قد صرح في مقابلة سابقة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن بلاده مستعدة للنظر في تقديم تنازلات من أجل التوصل إلى اتفاق نووي مقابل رفع العقوبات. واعتبر أن الكرة الآن في ملعب أمريكا لإثبات رغبتها في إبرام اتفاق. وقد عقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف مفاوضات غير مباشرة في السفارة العمانية، بحضور وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي، وفق ما أفاد التلفزيون الإيراني. وكانت جولة أولى من المحادثات بين ممثلين عن إيران والولايات المتحدة قد عُقدت في عُمان في السادس من فبراير، ووُصفت بالإيجابية.
تأتي هذه الجولة من المفاوضات في سياق تاريخي معقد، يعود جذوره إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، المعروف بالخطة الشاملة المشتركة للعمل (JCPOA). هذا الاتفاق، الذي وقعته إيران مع مجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا)، كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية. ومع ذلك، شهد عام 2018 انسحاب الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق في عهد الرئيس دونالد ترامب، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران، مما دفع إيران تدريجياً إلى التراجع عن بعض التزاماتها النووية.
مع تولي إدارة الرئيس جو بايدن الحكم في الولايات المتحدة، أبدت واشنطن استعدادها للعودة إلى الاتفاق، شريطة أن تعود إيران أولاً إلى الامتثال الكامل. في المقابل، تصر طهران على أن تقوم واشنطن برفع جميع العقوبات أولاً قبل أن تعود هي لالتزاماتها. هذه المفاوضات غير المباشرة، التي تستضيفها جنيف بوساطة عمانية، تمثل محاولة دبلوماسية حاسمة لكسر الجمود وإعادة إحياء الاتفاق النووي الذي تسعى واشنطن منذ سنوات لمنع الحكومة الإيرانية من امتلاك أسلحة نووية، بينما تشير طهران إلى استعدادها لتقييد برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية القاسية.
تكتسب هذه المفاوضات أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي. إقليمياً، يترقب جيران إيران، خاصة دول الخليج وإسرائيل، نتائج هذه المحادثات بقلق وترقب. فعودة الاتفاق قد تخفف من حدة التوترات في المنطقة، بينما فشلها قد يؤدي إلى تصعيد جديد، وربما سباق تسلح نووي إقليمي. على الصعيد الدولي، تمثل القضية النووية الإيرانية تحدياً كبيراً لنظام عدم انتشار الأسلحة النووية العالمي، وتؤثر على استقرار أسواق الطاقة العالمية نظراً لموقع إيران كمنتج رئيسي للنفط والغاز. كما أن نجاح الدبلوماسية هنا يمكن أن يعزز من مصداقية الحلول السلمية للنزاعات الدولية، في حين أن الفشل قد يقوض الثقة في المسارات الدبلوماسية. وتأثير العقوبات الاقتصادية على الشعب الإيراني يمثل أيضاً عاملاً مهماً، حيث تسعى طهران إلى تخفيف هذه الضغوط لتحسين الظروف المعيشية لمواطنيها، مما يضيف بعداً إنسانياً واقتصادياً للمفاوضات.


