اختتمت الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، بوساطة عمانية، حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، عن تحقيق تقدم ملموس وتوصل الطرفين إلى تفاهم حول المبادئ الأساسية التي ستشكل قاعدة لصياغة اتفاق محتمل. وأكد عراقجي أن هذا التوافق، الذي جاء بعد نحو ثلاث ساعات من الحوار المكثف، يمثل خطوة إيجابية نحو الأمام، مشدداً في الوقت ذاته على أن التوصل إلى اتفاق نهائي ليس وشيكاً بالضرورة، بل هو بداية لمسار يتطلب المزيد من العمل والإرادة السياسية.
تأتي هذه المحادثات في سياق جهود دولية مكثفة لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والذي أبرم عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، وألمانيا). كان الهدف من الاتفاق هو تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية. إلا أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018 في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وإعادة فرض العقوبات، دفع إيران إلى التراجع تدريجياً عن بعض التزاماتها النووية، مما أثار مخاوف دولية متزايدة. ومع تولي إدارة الرئيس جو بايدن، أبدت واشنطن استعدادها للعودة إلى الاتفاق إذا عادت إيران للامتثال الكامل، وهو ما يمهد لهذه الجولات من المفاوضات.
وصف عراقجي الجولة الحالية من المحادثات بأنها شهدت “تطورات إيجابية” و”تقدماً مهماً” مقارنة بالجولة السابقة، مشيراً إلى أن الوفد الإيراني توصل إلى تفاهم حول المبادئ الرئيسية مع الجانب الأمريكي. وأفاد الوزير الإيراني بأن الطرفين سيعملان على إعداد نسختين من وثيقة الاتفاق المحتملة لتبادلهما، مؤكداً وجود “مسائل بحاجة للعمل عليها من قبل الطرفين” قبل الوصول إلى صيغة نهائية مقبولة للجميع. هذه العملية تشير إلى تعقيد القضايا المطروحة وحاجتها إلى تفاوض دقيق.
تحمل هذه المفاوضات أهمية بالغة على الصعيدين الإقليمي والدولي. فإحياء الاتفاق النووي يمكن أن يسهم بشكل كبير في تخفيف التوترات في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد صراعات وتحديات أمنية متعددة. كما أنه يعزز نظام عدم الانتشار النووي العالمي ويقلل من مخاطر سباق التسلح في المنطقة. على الصعيد الاقتصادي، يمكن لرفع العقوبات أن يوفر لإيران متنفساً اقتصادياً حيوياً، مما يسمح لها بالعودة إلى الأسواق العالمية ويخفف من الضغوط المعيشية على مواطنيها. دولياً، تمثل هذه المحادثات اختباراً لقدرة الدبلوماسية على حل النزاعات المعقدة بين القوى الكبرى.
وفي سياق متصل، أثارت تصريحات سابقة لمستشار وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد حسين رنجبران، على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، بعض الجدل بعد أن ألمح إلى سلبية أجواء المفاوضات قبل أن يحذف منشوره. هذا التضارب في التصريحات يعكس حساسية الوضع والتباين في التوقعات داخل الأوساط الإيرانية. ورغم التقدم المعلن، لم يتم تحديد موعد لجولة ثالثة من المحادثات مع الجانب الأمريكي، مما يشير إلى أن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات، ويتطلب إرادة سياسية قوية وتنازلات متبادلة من جميع الأطراف المعنية.


