تتجه الأنظار غدًا الجمعة نحو العاصمة العمانية مسقط، حيث تستضيف جولة جديدة من المحادثات الحساسة بين الولايات المتحدة وإيران. تأتي هذه المحادثات في ظل تصعيد لافت في التوترات الإقليمية، تمثل باحتجاز الحرس الثوري الإيراني لسفينتين لتهريب الوقود في الخليج، في خطوة تبرز التعقيدات المتشابكة للعلاقات بين طهران وواشنطن.
أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية اليوم الخميس أن الحرس الثوري الإيراني احتجز سفينتين تحملان أكثر من مليون لتر من الوقود المهرب. وقد تم توقيف طاقمي السفينتين، المكونين من 15 أجنبياً، وإحالتهم إلى السلطات القضائية. هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، وتأتي في سياق جهود إيران لمكافحة التهريب، وفي ذات الوقت، قد تُفسر كرسالة في خضم المفاوضات الجارية، أو كاستجابة للضغوط الاقتصادية والعقوبات المفروضة عليها.
تعود جذور هذه المحادثات إلى تاريخ طويل من التوتر، وتحديداً إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA)، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران. منذ ذلك الحين، تدهورت العلاقات بشكل كبير، وشهدت المنطقة تصعيداً متكرراً. تهدف الجولات الدبلوماسية الحالية، التي تستضيفها عُمان كلاعب محايد ووسيط تاريخي، إلى إحياء المسار الدبلوماسي وربما التوصل إلى تفاهمات جديدة أو العودة إلى الاتفاق الأصلي، أو على الأقل تخفيف حدة التوتر.
تكتسب هذه المحادثات أهمية قصوى على الصعيدين الإقليمي والدولي. فنجاحها قد يفتح الباب أمام استقرار أكبر في منطقة الخليج الحيوي، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. بينما فشلها قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، بما في ذلك المخاطر على الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي، وتأثيرات سلبية على أسواق الطاقة العالمية. الدول الحليفة للولايات المتحدة، كما أشار مسؤول أمريكي، طلبت إعطاء الدبلوماسية فرصة، مما يعكس القلق الدولي من أي تصعيد عسكري محتمل.
في تطور موازٍ، أكد رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، سيرجي ناريشكين، اليوم أن إيران شريك لروسيا، وأن البلدين يتمتعان بتعاون وثيق عبر أجهزتهما الاستخباراتية. وأشار ناريشكين إلى اتفاقية الشراكة الشاملة المخطط لها بين موسكو وطهران، والتي تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بينهما، خاصة في ظل التحديات المشتركة والعقوبات الغربية المفروضة على كليهما. هذا التحالف المتنامي له تداعيات إقليمية ودولية، حيث يعزز من قدرة البلدين على مواجهة الضغوط الغربية ويضيف طبقة أخرى من التعقيد للمشهد الجيوسياسي.
على صعيد آخر، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل التريث وعدم اتخاذ أي خطوات متسرعة، مثل شن ضربة استباقية على إيران خلال المفاوضات. هذا الطلب يؤكد المخاوف الإسرائيلية العميقة من البرنامج النووي الإيراني، ورغبتها في ضمان عدم التوصل إلى اتفاق يهدد أمنها. وقد أشار مسؤول إسرائيلي للصحيفة إلى أن مستوى التنسيق بين الطرفين وثيق للغاية وغير مسبوق تقريباً، مع تبادل مكثف للزيارات بين الضباط الأمريكيين والإسرائيليين، مما يبرز حساسية الموقف وضرورة التنسيق الاستراتيجي بين الحليفين.
تُظهر هذه الأحداث المتزامنة أن العلاقة بين إيران والقوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، هي شبكة معقدة من الدبلوماسية المتوترة، والتحالفات الاستراتيجية، والتصعيد الإقليمي. بينما تسعى الدبلوماسية في مسقط لإيجاد حلول، فإن الأحداث على الأرض، مثل احتجاز السفن والتحالفات الإقليمية، تظل عوامل مؤثرة تشكل تحدياً كبيراً أمام أي تقدم. المستقبل القريب سيحدد ما إذا كانت هذه المحادثات ستنجح في تخفيف التوترات أم ستزيد من تعقيد المشهد.


