في خطاب لافت ألقاه بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين للثورة الإسلامية، قدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاراً رسمياً للمتضررين من موجات الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، معتبراً أن الحكومة تشعر بـ”الخزي” أمام الشعب، في خطوة سياسية نادرة قد تهدف إلى رأب الصدع وتخفيف حدة التوترات الداخلية.
خلفية الاحتجاجات والسياق السياسي
يأتي هذا الاعتذار في أعقاب سنوات من الاضطرابات المتكررة في إيران، والتي اندلعت لأسباب متعددة تراوحت بين الأزمات الاقتصادية الحادة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، والمطالب بالحريات الاجتماعية والسياسية. وكانت أبرز هذه الاحتجاجات تلك التي اندلعت في عام 2022 إثر وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها من قبل شرطة الأخلاق، والتي تحولت إلى حركة واسعة النطاق تطالب بتغييرات جوهرية. وقد واجهت السلطات هذه التحركات بحملات قمع أمنية واسعة، أسفرت عن سقوط مئات القتلى وآلاف المعتقلين، مما عمّق الفجوة بين النظام والشعب. ويُنظر إلى الرئيس بزشكيان، الذي يُصنف ضمن التيار الإصلاحي، على أنه يحاول تبني نهج مختلف عن سابقيه، يركز على الحوار الداخلي ومحاولة استعادة ثقة المواطنين.
اعتذار وتعهد بالحوار
خلال خطابه في ساحة آزادي بطهران، قال بزشكيان إنه يدرك “الألم الكبير” الذي شعر به المتضررون من أعمال القمع، مؤكداً استعداده “لسماع صوت الشعب”. وأضاف: “نشعر بالخزي أمام الشعب، ونحن ملزمون بمساعدة جميع من تضرروا من هذه الأعمال”. وشدد على أن واجب الحكومة هو خدمة الشعب وليس مواجهته، داعياً إلى الوحدة الوطنية لمواجهة ما وصفها بـ”التهديدات والمؤامرات”، محمّلاً في الوقت ذاته “الدعاية الغربية” مسؤولية تأجيج الأوضاع.
الملف النووي والعلاقات الدولية
على الصعيد الخارجي، تطرق بزشكيان إلى الملف النووي الإيراني، مجدداً الموقف الرسمي بأن طهران لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، لكنها في المقابل “لن تستسلم للمطالب المفرطة”. وأبدى استعداد بلاده لعمليات التحقق التي تؤكد الطبيعة السلمية لبرنامجها، لكنه ألقى باللوم على “جدار انعدام الثقة العالي الذي أقامته الولايات المتحدة وأوروبا” في عرقلة نجاح المحادثات. وتأتي هذه التصريحات في ظل تعثر المفاوضات الهادفة لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، ومطالبة واشنطن لطهران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي درجة قريبة من اللازمة لإنتاج سلاح نووي.
أهمية الخطاب وتأثيره المتوقع
يحمل خطاب بزشكيان دلالات مهمة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. داخلياً، يمثل الاعتذار محاولة لفتح صفحة جديدة مع الشارع الإيراني الغاضب، رغم أنه قد يواجه تشكيكاً من قبل المعارضين الذين يطالبون بإجراءات ملموسة ومحاسبة المسؤولين عن العنف. إقليمياً، تعكس دعوته لتعزيز العلاقات مع دول الجوار استمراراً لسياسة خفض التصعيد في المنطقة، خاصة مع دول الخليج. أما دولياً، فيمكن تفسير نبرته المعتدلة نسبياً بأنها رسالة موجهة للقوى الغربية مفادها أن حكومته منفتحة على الدبلوماسية، مع التأكيد على عدم التنازل عن “الحقوق الوطنية”، وهو ما يضع الكرة في ملعب الأطراف الأخرى لمواصلة الحوار الذي تتوسط فيه أطراف مثل سلطنة عُمان.


