في تصعيد خطير يعيد تشكيل المشهد الأمني في منطقة الشرق الأوسط، كشفت الهجمات الأخيرة التي طالت عدداً من دول مجلس التعاون الخليجي عن فجوة هائلة بين الخطاب السياسي الذي تتبناه طهران والواقع الميداني لعملياتها العسكرية. فبينما تصر القيادة الإيرانية على أن صواريخها ومسيراتها لا تستهدف سوى "المصالح والقواعد الأمريكية"، جاءت الوقائع على الأرض لتفند هذه المزاعم، حيث وجد المدنيون والمنشآت الحيوية غير العسكرية أنفسهم في قلب العاصفة.
السياق الإقليمي.. توترات تتجاوز القواعد العسكرية
لم تأتِ هذه الأحداث من فراغ، بل هي نتاج سنوات من الاحتقان الجيوسياسي في منطقة الخليج العربي، التي تعد شرياناً رئيسياً للطاقة والتجارة العالمية. ولطالما حاولت دول الخليج النأي بنفسها عن سياسة المحاور والصراع المباشر بين واشنطن وطهران، متبعة سياسة دبلوماسية متوازنة. إلا أن توسيع دائرة الاستهداف لتشمل البنى التحتية المدنية يمثل تحولاً نوعياً في قواعد الاشتباك، ينقل الصراع من الأهداف العسكرية المحددة إلى تهديد شامل للأمن القومي لدول المنطقة.
بنك أهداف مدني بامتياز
بالنظر إلى تفاصيل الهجمات الأخيرة، يتضح غياب الدقة العسكرية المزعومة، حيث طالت النيران مواقع لا تمت للوجود العسكري بصلة:
- الكويت: تعرض مطار الكويت الدولي، وهو شريان مدني يخدم ملايين المسافرين سنوياً، لهجوم بطائرة مسيرة استهدف مبنى الركاب (T1)، مخلفاً أضراراً مادية وإصابات، مما يعد انتهاكاً صريحاً لسلامة الطيران المدني.
- البحرين: في المنامة، لم تكن الأهداف ثكنات عسكرية، بل مبانٍ سكنية مأهولة، مما استدعى تدخلاً عاجلاً من فرق الدفاع المدني لإنقاذ الأرواح، في مشهد يتنافى مع ادعاءات "الرد العسكري الدقيق".
- الإمارات: في دبي، التي تعد مركزاً سياحياً وتجارياً عالمياً، سقط صاروخ بالقرب من فندق "فيرمونت النخلة"، مسبباً حريقاً في منطقة مكتظة بالسياح والسكان، بعيداً كل البعد عن أي منشأة عسكرية.
- قطر: عاش السكان حالة من الترقب بعد استهداف الأراضي القطرية بصواريخ باليستية، في خطوة وصفتها الدوحة بالانتهاك الصارخ للسيادة.
الموقف السعودي.. الدبلوماسية في مواجهة التصعيد
في خضم هذه الأحداث، يبرز الموقف السعودي كصوت للعقل والحكمة. فقد بذلت الرياض جهوداً دبلوماسية مكثفة لتجنيب المنطقة ويلات الحرب، وأعلنت بوضوح رفضها استخدام أراضيها أو أجوائها للاعتداء على إيران. ورغم هذه التطمينات والرسائل السياسية الواضحة، لم تتردد طهران في توجيه ضرباتها نحو المملكة وجيرانها، مما يعكس تجاهلاً للمبادرات الدبلوماسية الخليجية وإصراراً على زج المنطقة في أتون صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
التداعيات الاقتصادية والأمنية المتوقعة
إن استهداف مدن تعتمد بشكل رئيسي على السياحة، الطيران، والاستثمار الآمن مثل دبي والدوحة والمنامة، يحمل في طياته مخاطر اقتصادية تتجاوز الحدود الإقليمية. هذا النوع من التصعيد يهدد سلاسل الإمداد العالمية وحركة الملاحة الجوية، ويضرب عصب الاقتصاد غير النفطي الذي عملت دول الخليج سنوات طويلة لبنائه.
ختاماً، تضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، حيث أثبتت الوقائع أن الصواريخ لا تميز بين قاعدة عسكرية وفندق سياحي، وأن شعار "استهداف الأمريكيين فقط" لم يكن سوى غطاء لعمليات طالت أمن واستقرار الشعوب الخليجية بشكل مباشر.


