لقد فضحت التوترات الجيوسياسية والحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، الوجه الحقيقي والعدواني للجارة الشرقية. إن التهديدات الإيرانية لدول الخليج لم تعد مجرد تكهنات، بل أصبحت واقعاً ملموساً يزيح الستار عن نتائج الخطاب الدوغمائي الذي طالما غذّى به نظام الملالي جيشه وعبّأ به شعبه، وهو خطاب قائم بالأساس على وهم تصدير الثورة. لفترة طويلة، تعاملت دول المنطقة بنوع من الدبلوماسية وحسن الظن مع النوايا ذات الملمس الناعم التي أظهرتها حكومات طهران المتعاقبة، والتي ادعت حرصها على احترام علاقات الجوار ورعاية مصالح الدول، إلا أن الأحداث الأخيرة أثبتت عكس ذلك تماماً.
الجذور التاريخية والأيديولوجية للسياسة الإيرانية
لفهم السياق العام لهذه الأحداث، يجب العودة إلى عام 1979، حيث تبنى النظام الإيراني الجديد مبدأ تصدير الثورة كعقيدة سياسية وعسكرية. هذا المبدأ لم يكن مجرد شعار داخلي، بل تُرجم على أرض الواقع من خلال تأسيس ودعم ميليشيات مسلحة وأذرع ولائية في عدة دول عربية. لقد سعت طهران على مدار عقود إلى التمدد واستعادة أمجاد إمبراطورية بادت، مستخدمة غطاءً أيديولوجياً لتبرير تدخلاتها السافرة في الشؤون الداخلية لجيرانها، مما خلق حالة من عدم الاستقرار المزمن في منطقة الشرق الأوسط.
أبعاد التهديدات الإيرانية لدول الخليج وتأثيرها الإقليمي
إن استهداف دول الخليج العربي بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، سواء بشكل مباشر أو عبر الأذرع الإقليمية، يمثل دليلاً قاطعاً على التناقض والتخبط داخل مؤسسات الحكم الإيرانية. هذه التهديدات الإيرانية لدول الخليج تمطر عواصم ومدن الجوار بنيران حقد أيديولوجي أعمى، وتكشف عن المخزون الاستراتيجي من الأسلحة الذي أعده النظام لجيرانه، والذي كان يُعتقد في الماضي أنه مجرد مبالغات دعائية. على الصعيد الإقليمي، تؤدي هذه الممارسات إلى تقويض جهود التنمية، وتهديد الممرات المائية الاستراتيجية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، مما يضع أمن الملاحة البحرية في خطر حقيقي.
التداعيات الدولية والاقتصادية للأزمة
لا يقتصر تأثير هذا السلوك العدواني على المحيط الإقليمي فحسب، بل يمتد ليشمل المجتمع الدولي بأسره. إن أي تهديد لأمن الخليج العربي هو تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي. ولذلك، تنظر القوى الكبرى بقلق بالغ إلى برنامج إيران الصاروخي وتصرفات وكلائها، مما يستدعي تحركات دولية مستمرة لضمان حرية الملاحة وحماية استقرار الأسواق العالمية من أي صدمات ناتجة عن تهور الجار غير الآمن.
حكمة المنظومة الخليجية في إدارة الصراع
رغم كل هذه الاستفزازات، لم ولن تضعف المنظومة الخليجية عن الرد المناسب، وهي تمتلك القدرة الكاملة على اتخاذ القرارات الحاسمة إن لزم الأمر. إلا أن جيران إيران العرب ينطلقون من مبادئ راسخة تؤمن بالإسلام الذي حرّم دم المسلم وماله وعرضه. لقد حافظ مجلس التعاون الخليجي على لغة خطاب عقلانية، معبراً عن أسفه لانزلاق الأمور إلى هذا المنحنى. لقد انتهجت دول الخليج سياسة الصبر الاستراتيجي، وغلّبت التروي وقياس الأمور بعين بصيرة بعيدة النظر، متفادية الانجرار إلى ردود فعل تصعيدية.
في النهاية، تدرك القيادات الخليجية أن الحروب وقتية، بينما السلام والاستقرار هما المطلب الحقيقي لجميع العقلاء. إن حقوق الجوار ليست خاضعة للنسبية في القاموس الخليجي، حتى وإن أثبت الجار الشرقي أنه غير آمن. ويكفي من الدروس المستفادة من هذه الأزمات المتلاحقة أنها كشفت بوضوح عن حجم الترسانة التي سُخرت لضرب المسالمين، وأكدت في الوقت ذاته على صلابة وحكمة دول الخليج في مواجهة الأذرع والأجنحة الآيلة للقص، حفاظاً على أمن وسلامة شعوب المنطقة ومقدراتها.


