شهدت جهود مكافحة الفساد في العراق تطوراً بارزاً وغير مسبوق، عقب إعلان السلطات القضائية العراقية عن ضبط مبالغ مالية ضخمة وعقارات ثمينة بحوزة وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع، علي معارج البهادلي. وتأتي هذه الخطوة في إطار حملة قضائية وأمنية واسعة النطاق تهدف إلى ملاحقة كبار المسؤولين المتورطين في قضايا الكسب غير المشروع واستغلال النفوذ الوظيفي لتهريب الأموال ومقدرات الدولة.
تفاصيل الأموال المضبوطة والتحقيقات القضائية الجارية
أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أن التحقيقات الأولية التي أجرتها محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية مع المسؤول الموقوف أسفرت عن ضبط مبلغ 11 مليون دولار أمريكي، بالإضافة إلى 4 مليارات دينار عراقي، إلى جانب عدد من العقارات المسجلة باسمه وبأسماء مقربين منه. وأكد قاضي التحقيق المختص أن عمليات الضبط هذه جاءت نتيجة اعترافات مباشرة أدلى بها المتهم خلال استجوابه، مشيراً إلى أن التحقيقات القضائية لا تزال مستمرة على قدم وساق للكشف عن جميع ملابسات القضية وحصر شبكة المتورطين والشركاء المحتملين في هذه العمليات.
الارتباط بالعقوبات الأمريكية وشبكات تهريب النفط
تأتي عملية توقيف البهادلي بعد أسابيع قليلة من إدراجه على لائحة العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية بموجب الأمر التنفيذي رقم 13902. ووفقاً لتقارير أمنية رسمية، فإن التحقيقات مع المسؤول العراقي لا تقتصر على الفساد المالي التقليدي، بل تمتد لتشمل ملفات بالغة الحساسية مثل تمويل الفصائل المسلحة، وتهريب النفط العراقي لصالح شبكات مرتبطة بإيران، فضلاً عن عمليات تهريب الدولار وغسيل الأموال. وكانت الخزانة الأمريكية قد اتهمت البهادلي باستغلال منصبه لتسهيل تحويل مسارات شحنات النفط ومنح امتيازات غير قانونية لمهربين خاضعين للعقوبات الدولية، مثل سالم أحمد سعيد، وتوجيه تلك العائدات لدعم فصائل معينة مثل “عصائب أهل الحق”.
مسار مكافحة الفساد في العراق وأبعاده التاريخية
يعاني العراق منذ عام 2003 من معضلة الفساد الهيكلي الذي تغلغل في مفاصل الدولة ومؤسساتها الحيوية، ولا سيما قطاع الطاقة والنفط. وعلى مدار العقدين الماضيين، أطلقت الحكومات المتعاقبة عدة مبادرات للحد من هذه الظاهرة، إلا أن الكثير منها واجه عقبات سياسية حالت دون تحقيق نتائج ملموسة. وتعتبر الحملة الحالية التي انطلقت بقوة في 28 يونيو 2026، واحدة من أجرأ المحاولات القضائية لمواجهة هذه الآفة، حيث تميزت باستهداف مباشر لشخصيات رفيعة المستوى تشمل نواباً، ومسؤولين حكوميين، ورجال أعمال بارزين، مما يعكس رغبة حقيقية في كسر حصانة النفوذ السياسي والمالي.
الأهمية الاقتصادية والتأثيرات المتوقعة محلياً ودولياً
يمثل قطاع النفط الشريان التاج والركيزة الأساسية للاقتصاد العراقي، حيث تعتمد الموازنة العامة للبلاد بنسبة تفوق 90% على العائدات النفطية لتأمين الرواتب والمشاريع التنموية. وبالتالي، فإن أي تلاعب أو فساد في هذا القطاع ينعنس سلباً وبشكل مباشر على حياة المواطنين والقدرة الشرائية للدينار العراقي. وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، فإن نجاح هذه الحملة سيعزز من ثقة المؤسسات المالية الدولية في النظام المصرفي العراقي، ويسهم في تحسين مناخ الاستثمار الأجنبي. كما أن تفكيك شبكات تهريب النفط والدولار يبعث برسالة قوية إلى المجتمع الدولي بالتزام بغداد بالمعايير الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مما قد يخفف من الضغوط الاقتصادية المفروضة على القطاع المصرفي العراقي.


