بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة في العراق، لا يزال المشهد السياسي يعاني من حالة جمود خطيرة، مما يضع البلاد على حافة فراغ دستوري يهدد بشل مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات القائمة. فعلى الرغم من المصادقة على نتائج الانتخابات وعقد البرلمان جلسته الأولى، فشلت القوى السياسية حتى الآن في استكمال الاستحقاقات الدستورية الأساسية، وعلى رأسها انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وهي الخطوة التي تسبق تكليف رئيس للوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة.
سياق تاريخي وأزمة متكررة
تعود جذور الأزمة الحالية إلى طبيعة النظام السياسي الذي تأسس في العراق بعد عام 2003، والذي يعتمد على نظام المحاصصة الطائفية والعرقية. وبموجب عرف سياسي غير مكتوب، يُخصص منصب رئيس الجمهورية للمكون الكردي، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة. هذا النظام، ورغم أنه هدف إلى تمثيل جميع المكونات، إلا أنه خلق حالة من الانقسام السياسي العميق وجعل عملية تشكيل الحكومات رهينة للتوافقات الهشة بين الزعامات السياسية، مما أدى مراراً إلى تأخير طويل في تشكيل الحكومات بعد كل دورة انتخابية.
أُجريت انتخابات أكتوبر 2021 بشكل مبكر استجابة للاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اندلعت في عام 2019، والتي طالبت بإنهاء الفساد وتحسين الخدمات العامة ووضع حد للتدخلات الخارجية. لكن نتائج الانتخابات، التي أفرزت فوزاً كبيراً للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، لم تؤدِ إلى كسر الجمود، بل زادت من حدة الاستقطاب بين تحالف “إنقاذ وطن” الذي يقوده الصدر ويسعى لتشكيل حكومة أغلبية وطنية، و”الإطار التنسيقي” الذي يضم قوى شيعية أخرى تصر على تشكيل حكومة توافقية تشمل جميع الأطراف الرئيسية.
تأثيرات الأزمة على المستويين المحلي والإقليمي
إن استمرار هذا الانسداد السياسي ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن العراقي. فالحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي هي حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة، لا يمكنها إقرار الموازنة العامة للدولة أو اتخاذ قرارات استراتيجية جديدة. هذا الشلل يؤدي إلى توقف المشاريع الخدمية والاستثمارية، ويفاقم من معاناة المواطنين في ظل تحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية متزايدة.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يُنظر إلى استقرار العراق كعنصر حيوي لاستقرار منطقة الشرق الأوسط. والفراغ السياسي الحالي يفتح الباب أمام تصاعد نفوذ القوى الإقليمية التي تسعى لتعزيز مصالحها داخل العراق، مما يزيد من تعقيد المشهد. كما يحذر مراقبون من أن هذا الضعف في السلطة المركزية قد يوفر بيئة خصبة لعودة نشاط التنظيمات الإرهابية، مثل تنظيم “داعش”، الذي يستغل الفوضى السياسية والهشاشة الأمنية لتنفيذ هجماته.
مخاوف من شلل كامل
تكمن العقبة الرئيسية حالياً في الخلاف الحاد بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، على مرشح منصب رئاسة الجمهورية. هذا الخلاف هو جزء من صراع أكبر بين القوى الشيعية المتنافسة. وبدون التوصل إلى توافق على شخصية الرئيس، لا يمكن المضي قدماً في تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر لتشكيل الحكومة. وقد فشل البرلمان عدة مرات في عقد جلسة انتخاب الرئيس بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني (ثلثي الأعضاء)، مما يشير إلى أن الأزمة قد تطول، ويزيد من حدة المخاوف من دخول البلاد في نفق مظلم من الشلل الدستوري والسياسي الكامل، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على مستقبل العراق واستقراره.


