spot_img

ذات صلة

المالكي رئيساً للحكومة العراقية: الإطار التنسيقي يصر على ترشيحه

في تطور يعكس عمق التعقيدات السياسية التي تشهدها الساحة العراقية، كشف مصدر مطلع داخل تحالف «الإطار التنسيقي» عن تمسك التحالف بترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لمنصب رئاسة الحكومة العراقية الجديدة. يأتي هذا الإعلان في خضم محادثات مكثفة ومتواصلة تهدف إلى بلورة رؤية موحدة للمرحلة القادمة وآليات إدارة التوافق السياسي في البلاد، الذي طالما اتسم بالصعوبة والتقلبات.

ومن المقرر أن يشهد اليوم (السبت) اجتماعاً حاسماً في منزل المالكي، كجزء من سلسلة مشاورات داخلية يجريها «الإطار التنسيقي». تهدف هذه اللقاءات إلى توحيد المواقف وتنسيق الجهود قبيل انعقاد جلسة انتخاب الرئيس العراقي الجديد، وهي خطوة أساسية تسبق تشكيل الحكومة. هذا التمسك بترشيح المالكي يعيد إلى الواجهة شخصية سياسية مثيرة للجدل، قادت العراق لثماني سنوات (2006-2014) شهدت فيها البلاد تحولات كبرى وتحديات أمنية وسياسية واقتصادية عميقة.

السياق التاريخي والسياسي لترشيح المالكي

إن ترشيح المالكي لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي العراقي ما بعد عام 2003. فبعد سقوط النظام السابق، اعتمد العراق نظاماً ديمقراطياً برلمانياً يقوم على المحاصصة الطائفية والعرقية، حيث يتم توزيع المناصب السيادية (رئاسة الجمهورية للأكراد، رئاسة البرلمان للسنة، ورئاسة الوزراء للشيعة) وفقاً لتوافقات الكتل السياسية. وقد شغل المالكي منصب رئيس الوزراء لدورتين متتاليتين، تميزت فترة حكمه بتعزيز سلطة الدولة المركزية، ومواجهة التحديات الأمنية الكبرى مثل التمرد المسلح وتنظيم القاعدة، ثم صعود تنظيم داعش في نهايتها. عودته المحتملة تثير نقاشات واسعة حول قدرته على قيادة البلاد في ظل التحديات الراهنة، خاصة مع استمرار الانقسامات الداخلية والتدخلات الإقليمية.

اختيار الحكومة: شأن وطني وسيادة عراقية

في مؤتمر صحفي عقده اليوم في بغداد، شدد نوري المالكي على أن عملية اختيار الحكومة العراقية وقياداتها هي “شأن وطني خالص يجب أن يُحترم”، مؤكداً أن بغداد تحترم خيارات الدول الأخرى. هذه التصريحات تأتي في سياق الرد على المخاوف والتحذيرات الدولية من عودة المالكي، والتي اعتبرها البعض تدخلاً في الشأن العراقي. وأعلن المالكي أن حكومته، في حال تشكيلها، ستسعى لإقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية متوازنة مع جميع الدول الإقليمية والقوى الدولية الكبرى، في محاولة لطمأنة الأطراف المختلفة وتأكيد التوجه نحو سياسة خارجية معتدلة.

كما أكد المالكي على أن احترام إرادة العراقيين والديمقراطية وحق الشعب في اختيار نظامه السياسي وقياداته عبر المؤسسات الدستورية يمثل “مبدأً ثابتاً”، مضيفاً: “سنمضي في اعتماد هذه الإرادة”. هذه التأكيدات تعكس محاولة لتأصيل الشرعية الداخلية للترشيح، وتقديم رؤية للحكم ترتكز على السيادة الوطنية والديمقراطية، في مواجهة أي ضغوط خارجية قد تظهر.

الإطار التنسيقي والكتلة الأكبر

وكان «الإطار التنسيقي»، الذي يضم قوى سياسية شيعية بارزة، قد أعلن السبت الماضي ترشيح نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، معتبراً نفسه الكتلة الأكبر في البرلمان. هذا الإعلان يضع الكرة في ملعب القوى السياسية الأخرى، ويفرض تحديات جديدة على عملية التوافق الوطني التي طالما عانت من التعثر. إن تشكيل الكتلة الأكبر هو الخطوة الدستورية الأولى نحو تكليف رئيس الوزراء، ولكن التوافق السياسي الفعلي يظل هو المحرك الأساسي لنجاح أي حكومة في العراق.

رفض التدخلات الخارجية: موقف رئاسي ثابت

في سياق متصل، كانت الرئاسة العراقية قد شددت الخميس الماضي على رفضها القاطع لأي شكل من أشكال التدخلات الخارجية في الشؤون السياسية للبلاد. واعتبرت الرئاسة أن القضايا الداخلية تعد “شأناً سيادياً خالصاً” يقرره العراقيون وحدهم، استناداً إلى إرادتهم الحرة بموجب الدستور، ومن خلال النظام الديمقراطي القائم على الانتخابات. وأكدت الرئاسة أن “احترام السيادة الوطنية للبلاد يشكل ركناً أساسياً في بناء الدولة، وترسيخ الاستقرار السياسي، خصوصاً في عملية تشكيل الحكومة”. هذا الموقف الرئاسي يعكس إجماعاً وطنياً على ضرورة حماية القرار العراقي من أي تأثيرات خارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية.

تحديات اختيار رئيس الجمهورية والانقسام الكردي

لا تقتصر التعقيدات على منصب رئاسة الوزراء، بل تمتد إلى منصب رئاسة الجمهورية، الذي يُمنح للمكون الكردي وفقاً للعرف السياسي. إلا أن الانقسام لا يزال قائماً بين الحزبين الكرديين الرئيسيين: الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، حيث يتمسك كل طرف بمرشحه. يتنافس 19 مرشحاً على هذا المنصب، وأبرزهم فؤاد حسين مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني، ونزار آميدي مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني. هذا الانقسام يعرقل اكتمال العملية السياسية ويؤخر تشكيل الحكومة، حيث أن انتخاب الرئيس هو خطوة ضرورية قبل تكليف رئيس الوزراء.

الموقف الدولي: تحذيرات أمريكية

على الصعيد الدولي، أثار ترشيح المالكي ردود فعل متباينة، أبرزها التحذيرات الأمريكية. فقد صرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في منشور عبر منصة «تروث سوشيال» بأن “معلومات تفيد بإمكانية أن يتخذ العراق خياراً سيئاً للغاية، عبر عودة المالكي لرئاسة الوزراء”. كما أبلغ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (في سياق عام وليس بالضرورة عن المالكي تحديداً، لكن يمكن ربطه) أن أي حكومة في بغداد يُسيطَر عليها من الخارج لا يمكنها أن تضع مصالح العراق في المقام الأول بنجاح، وتضر بالعلاقات مع الولايات المتحدة. هذه التحذيرات تعكس قلق واشنطن من عودة شخصية يُنظر إليها على أنها مقربة من إيران، وتأثير ذلك على استقرار العراق وعلاقاته الإقليمية والدولية، خاصة مع الولايات المتحدة التي لديها مصالح أمنية واقتصادية كبيرة في المنطقة.

التأثيرات المتوقعة وتداعيات المشهد السياسي

إن التمسك بترشيح المالكي، في ظل هذه الظروف، يحمل في طياته تداعيات محلية وإقليمية ودولية كبيرة. محلياً، قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب السياسي وتأخير تشكيل الحكومة، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها العراق. كما قد يثير ردود فعل شعبية، خاصة من قبل الحركات الاحتجاجية التي تطالب بتغيير الطبقة السياسية. إقليمياً، قد يعزز هذا الترشيح نفوذ بعض القوى الإقليمية على حساب أخرى، مما يؤثر على التوازنات الإقليمية الهشة. دولياً، قد يؤدي إلى توتر في العلاقات مع الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، التي ترى في استقرار العراق جزءاً لا يتجزأ من استقرار المنطقة. يبقى المشهد السياسي العراقي في حالة ترقب، بانتظار ما ستسفر عنه المشاورات والتحركات القادمة، التي ستحدد مسار البلاد في المرحلة المقبلة.

spot_imgspot_img