في ظل استمرار حالة الانسداد السياسي التي تخيم على المشهد العراقي، يعقد تحالف “الإطار التنسيقي” الشيعي، اليوم (الاثنين)، اجتماعاً حاسماً لبحث سبل الخروج من أزمة الاستحقاقات الدستورية العالقة، وفي مقدمتها ملف انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يمثل حجر الزاوية في مسار تشكيل الحكومة الجديدة.
ويأتي هذا الاجتماع في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والشعبية لإنهاء الفراغ الدستوري الذي طال أمده. ومن المقرر أن يناقش قادة الإطار تقييماً شاملاً لتطورات المشهد النيابي، وبحث الخيارات المطروحة للتعامل مع الخلافات القائمة، خاصة بين القوى الكردية، حول مرشح رئاسة الجمهورية، وتأثير هذا الخلاف على بقية الاستحقاقات الدستورية.
السياق العام والخلفية التاريخية
تعود جذور الأزمة الحالية إلى ما بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر 2021. فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تأسس نظام سياسي جديد قائم على المحاصصة الطائفية والعرقية غير الرسمية، والتي تمنح منصب رئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة البرلمان للسنة. وقد أدى هذا العرف السياسي إلى تعقيدات كبيرة في كل دورة انتخابية، حيث تتنافس الكتل السياسية داخل كل مكون على المناصب المخصصة لها.
وقد فاقم الأزمة الحالية الخلاف العميق بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، اللذين لم يتوصلا حتى الآن إلى اتفاق على مرشح موحد لمنصب الرئيس، مما أدى إلى تعطيل جلسات البرلمان وتجاوز المهل الدستورية المنصوص عليها في المادة (70) من الدستور العراقي.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
يحمل حسم منصب رئيس الجمهورية أهمية قصوى على الصعيد المحلي، فهو الخطوة الدستورية الأولى التي تفتح الباب أمام تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة. إن استمرار هذا الجمود لا يؤثر فقط على العملية السياسية، بل يشل قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، ويعيق إقرار الموازنة العامة، ويؤجل تنفيذ المشاريع التنموية والاقتصادية التي ينتظرها العراقيون.
إقليمياً ودولياً، يُنظر إلى استقرار العراق كعامل محوري في استقرار منطقة الشرق الأوسط. فالفراغ السياسي في بغداد يمكن أن يفتح الباب أمام تصاعد التوترات الداخلية وتدخلات القوى الإقليمية، مما قد يؤثر على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية. كما أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، يراقب بقلق تطورات المشهد، ويحث القادة العراقيين على تغليب المصلحة الوطنية والالتزام بالدستور لتفادي انزلاق البلاد نحو مزيد من التعقيدات.
خيارات مطروحة وتحديات قائمة
وكشفت مصادر سياسية أن الخلافات داخل البيت الكردي ما زالت تعطل انتخاب رئيس الجمهورية، في وقت دخلت فيه أزمة “الإطار التنسيقي” الحاكم حالة من التوتر بسبب إشكالية اختيار رئيس الوزراء. وبينما يجدد ائتلاف دولة القانون تمسكه بترشيح زعيمه نوري المالكي لرئاسة الحكومة، تفيد المصادر بأن هناك خيارين رئيسيين أمام محادثات التحالف الحاكم: الأول هو تقديم مرشح تسوية مقبول من جميع الأطراف، والثاني هو الإبقاء على حكومة محمد شياع السوداني الحالية كحل للخروج من المأزق.
لكن ائتلاف دولة القانون سارع إلى نفي أي نية لانسحاب المالكي من الترشح، مؤكداً في بيان مقتضب أن المالكي لا ينوي الانسحاب، مما دفع أطراف الإطار إلى تكثيف الاجتماعات الفردية بين أجنحته للبحث عن مخرج. وشهدت هذه الاجتماعات تبايناً في وجهات النظر، حيث طرحت بعض قيادات الإطار بجدية فكرة استمرار حكومة السوداني، مع مقترح لتوسيع صلاحياتها عبر البرلمان، وهو طرح جاء خلال الاجتماع الأخير للتحالف الذي شهد غياب قيس الخزعلي، زعيم “العصائب”، وعمار الحكيم، زعيم “تيار الحكمة”.


