ارتفاع قياسي للدولار الأمريكي يثير قلقاً في السوق العراقية: الأسباب والتداعيات
شهد سعر صرف الدولار الأمريكي في السوق الموازية بالعراق ارتفاعاً غير مسبوق، متجاوزاً 151 ألف دينار لكل 100 دولار، في حين يبلغ السعر الرسمي المعتمد من قبل البنك المركزي العراقي 132 ألف دينار لكل 100 دولار. هذا التباين الكبير يثير مخاوف واسعة بشأن الاستقرار الاقتصادي وتأثيره على القوة الشرائية للمواطنين.
خلفية تاريخية وتقلبات الدينار العراقي
لم تكن تقلبات سعر صرف الدينار العراقي أمراً جديداً في المشهد الاقتصادي للبلاد، خاصة بعد عام 2003. فالدينار العراقي، الذي يعتمد بشكل كبير على إيرادات النفط، شهد عدة مراحل من التعديلات في سعر صرفه. أبرزها كان في أواخر عام 2020، عندما قرر البنك المركزي العراقي تخفيض قيمة الدينار من حوالي 1182 ديناراً للدولار الواحد إلى 1450 ديناراً، قبل أن يتم تعديله لاحقاً إلى 1300 دينار للدولار في فبراير 2023، وهو السعر الذي أشار إليه البنك المركزي كـ “السعر الرسمي” المعتمد في موازنة 2026. هذه التعديلات غالباً ما تهدف إلى معالجة العجز في الموازنة وتحفيز الإيرادات غير النفطية، لكنها تحمل في طياتها تحديات كبيرة للمواطنين والتجار.
آلية البنك المركزي وجهود الاستقرار
يعمل البنك المركزي العراقي بآلية محددة لضبط سوق الصرف، حيث يشتري الدولار بسعر 1300 دينار من وزارة المالية ويبيعه بسعر 1310 دنانير للمصارف، التي بدورها تبيعه بـ1320 ديناراً للتجار ولأغراض التحويلات الخارجية. ومع ذلك، فإن الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية يشير إلى وجود ضغوط كبيرة على العملة الوطنية. وتزامناً مع هذا الارتفاع، تبذل الحكومة العراقية، ممثلة برئيس الوزراء محمد شياع السوداني، جهوداً حثيثة لمعالجة الوضع المالي. فقد عقد السوداني سلسلة اجتماعات مع كبار مساعديه لمناقشة سبل تقليص النفقات وتعظيم موارد الدولة، بالإضافة إلى خطوات لدعم استقرار سوق الصرف ومنع التذبذبات الحادة.
تأثير الرقابة الدولية ودور الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي
يُعزى جزء من الضغوط على سعر صرف الدولار في العراق إلى تشديد الرقابة الدولية على التحويلات الدولارية، خاصة من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. تهدف هذه الإجراءات إلى مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، مما أدى إلى تقليص عدد البنوك العراقية المسموح لها بالوصول المباشر إلى الدولار. هذا الأمر دفع العديد من التجار والمستوردين إلى اللجوء إلى السوق الموازية لتلبية احتياجاتهم من العملة الصعبة، مما زاد الطلب على الدولار وساهم في ارتفاع سعره بشكل ملحوظ. إن التحدي هنا يكمن في قدرة البنك المركزي العراقي على تلبية الطلب المشروع على الدولار عبر القنوات الرسمية مع الالتزام بالمعايير الدولية.
تداعيات الارتفاع على الاقتصاد والمواطن
إن الارتفاع القياسي لسعر صرف الدولار له تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق. على الصعيد المحلي، يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة في أسعار السلع المستوردة، مما يغذي التضخم ويقلل من القوة الشرائية للمواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود. كما يؤثر سلباً على الشركات التي تعتمد على الاستيراد للمواد الخام أو المنتجات النهائية. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، يمكن أن يؤثر عدم استقرار سعر الصرف على ثقة المستثمرين في الاقتصاد العراقي، مما قد يعيق جهود التنمية وجذب الاستثمارات الأجنبية. كما أن تزامن ارتفاع الدولار مع ارتفاع أسعار المعادن الثمينة (الذهب والفضة) يعكس حالة من عدم اليقين الاقتصادي قد تدفع البعض للتحوط بالمعادن الثمينة.
التحديات المستقبلية والآفاق الاقتصادية
يواجه العراق تحدياً كبيراً في تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي على المدى الطويل. فمع استمرار الاعتماد الكبير على إيرادات النفط، يصبح الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. وتتطلب معالجة هذه الأزمة جهوداً متكاملة تشمل تعزيز الشفافية في التعاملات المالية، وتطوير القطاعات غير النفطية، وتنويع مصادر الدخل، بالإضافة إلى تطبيق إصلاحات هيكلية تضمن استقرار سعر الصرف وتحمي الاقتصاد من الصدمات الخارجية. إن التزام الحكومة والبنك المركزي بالأسعار الرسمية المعلنة في الموازنات المستقبلية، مثل سعر 1300 دينار للدولار في موازنة 2026، يعكس محاولة لترسيخ الثقة، لكن الفجوة مع السوق الموازية تظل مؤشراً على الحاجة إلى مزيد من الإجراءات الفعالة.


