spot_img

ذات صلة

العراق: مرشح تسوية لرئاسة الحكومة الجديدة وضغوط أمريكية

كشفت مصادر سياسية عراقية مطلعة أن الخلافات العميقة داخل تحالف «الإطار التنسيقي» الحاكم، الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية، بشأن اختيار رئيس الوزراء القادم، قد تدفعه نحو خيار طرح مرشح تسوية لرئاسة الحكومة الجديدة. يأتي هذا التطور في سياق سياسي معقد يشهده العراق، حيث تتشابك المصالح الداخلية مع الضغوط الخارجية، مما يجعل عملية تشكيل الحكومة محفوفة بالتحديات.

وحسب المصادر ذاتها، فإن النقاشات تدور حالياً حول قائمة مختصرة من الشخصيات البارزة التي قد تحظى بقبول أوسع داخل الإطار وخارجه. تضم هذه القائمة رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، ورئيس الحكومة المنتهية ولايتها، محمد شياع السوداني، بالإضافة إلى رئيس ائتلاف النصر، حيدر العبادي. كما تشمل القائمة رئيس جهاز المخابرات، حميد الشطري، ورئيس هيئة المساءلة والعدالة، باسم البدري، مما يعكس سعي الإطار لإيجاد شخصية قادرة على إدارة المرحلة القادمة بحنكة.

من جانبه، أفصح القائم بالأعمال الأمريكي في العراق، جوشوا هاريس، عن موقف واشنطن الحازم، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تتجه لاتخاذ إجراءات فورية لتفكيك الجماعات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة. واعتبر هاريس أن إشراك هذه الجماعات في الحكومة الجديدة يتعارض بشكل مباشر مع أسس العلاقات العراقية الأمريكية، مؤكداً على ضرورة بناء دولة ذات سيادة كاملة.

ووفق بيان صادر عن السفارة الأمريكية في بغداد، فقد التقى هاريس بزعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، للتشاور حول المصالح المشتركة التي تشمل حماية السيادة العراقية، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن الإقليمي، وتوطيد العلاقات الاقتصادية بما يعود بالنفع على الشعبين الأمريكي والعراقي. وشدد هاريس على أن وجود الجماعات المسلحة في الحكومة العراقية، بأي صفة كانت، يقوض الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأضاف المسؤول الأمريكي أن الولايات المتحدة ستواصل التأكيد بوضوح على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية لتفكيك الجماعات الخاضعة لأجندات خارجية، والتي تُهدد سيادة العراق واستقراره واقتصاده. هذا الموقف الأمريكي يعكس قلقاً دولياً متزايداً بشأن النفوذ غير الحكومي داخل الدولة العراقية وتأثيره على الاستقرار الإقليمي.

في غضون ذلك، اعتبر تقرير عراقي تحليلي أن هناك «خلطاً متعمداً» بين تجنيب الدولة العراقية المخاطر الجسيمة وبين محاولة بعض السياسيين والأحزاب تجنيب أنفسهم تداعيات المتغيرات الإقليمية والدولية. وحذر التقرير من أن هذا الخلط يضع العراق في مسار «بالغ الخطورة» على الصعد السياسي والأمني والاقتصادي، مما قد يعمق الأزمات القائمة ويؤثر على مستقبل البلاد.

وأوضح التقرير أن «إصرار الولايات المتحدة وتكرار موقفها الرافض لوجود الجماعات المسلحة في الحكومة القادمة، والمطالبة بتفكيكها وسحب سلاحها، لا ينطلق من رغبات أو أجندات أمريكية خاصة، بل من محاولة لإجبار الأطراف العراقية على تطبيق الدستور والالتزام بالقانون وبناء الدولة على أسس سيادية واضحة». هذا التأكيد يضع الكرة في ملعب القوى السياسية العراقية لتحمل مسؤولياتها الوطنية.

تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي معقد للعراق ما بعد 2003، حيث شهدت البلاد تحديات جمة في بناء مؤسسات الدولة وتوحيد الصف الوطني. لطالما كانت عملية تشكيل الحكومات العراقية بعد كل انتخابات محفوفة بالصعوبات، وتستغرق أشهراً طويلة بسبب طبيعة النظام السياسي التوافقي وتعدد الكتل والقوى. إن اختيار رئيس وزراء توافقي يمثل محاولة لتجاوز الانسداد السياسي وتلبية المطالب الشعبية المتزايدة بتحسين الخدمات وتوفير الاستقرار.

إن أهمية هذا الحدث تتجاوز الحدود المحلية، فالعراق، بموقعه الجيوستراتيجي وثرواته النفطية، يلعب دوراً محورياً في استقرار المنطقة. أي اضطراب في عملية تشكيل الحكومة أو استمرار نفوذ الجماعات المسلحة يمكن أن يؤثر سلباً على الأمن الإقليمي، ويزيد من التوترات بين القوى الإقليمية والدولية المتنافسة على النفوذ. كما أن استقرار العراق ضروري لجهود مكافحة الإرهاب وضمان عدم عودة التنظيمات المتطرفة. على الصعيد الدولي، تتابع العديد من الدول، وخاصة الولايات المتحدة، عن كثب هذه التطورات، حيث يؤثر استقرار العراق بشكل مباشر على مصالحها الأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط. إن تشكيل حكومة قوية وذات سيادة، قادرة على بسط سلطة الدولة وحماية مصالحها، سيعزز ثقة المجتمع الدولي ويفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثمار، مما يعود بالنفع على الشعب العراقي الذي يتطلع إلى مستقبل أفضل.

spot_imgspot_img