spot_img

ذات صلة

الأزمة السياسية في العراق: صراع المالكي والسوداني

تصاعد الأزمة السياسية في العراق: صراع النفوذ داخل الإطار التنسيقي

تشهد الساحة السياسية في العراق تطورات متسارعة تعكس عمق الأزمة السياسية في البلاد، حيث انعكست سخونة الأوضاع الأمنية بشكل مباشر على المواقف السياسية. وفي خطوة مفاجئة، برزت تهديدات واضحة من أنصار زعيم ائتلاف «دولة القانون»، نوري المالكي، داخل قبة البرلمان العراقي، تهدف إلى إسقاط مساعي ترشيح رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، لولاية ثانية.

السياق التاريخي وتشكيل الإطار التنسيقي

لفهم جذور هذا الصراع، يجب العودة إلى المشهد السياسي الذي أعقب الانتخابات البرلمانية المبكرة في أواخر عام 2021. في ذلك الوقت، تشكل «الإطار التنسيقي» كتحالف سياسي يضم القوى الشيعية الرئيسية، وجاء اختيار محمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة كمرشح تسوية بعد أشهر طويلة من الانسداد السياسي. نوري المالكي، الذي شغل منصب رئيس وزراء العراق لدورتين متتاليتين (2006-2014)، يُعد من أبرز أقطاب هذا الإطار، ويبدو أنه يسعى اليوم لاستعادة زمام المبادرة السياسية وإعادة ترتيب أوراق التحالف الحاكم بما يخدم رؤيته الاستراتيجية.

سلاح «الثلث المعطل» وعرقلة تشكيل الحكومة

أضافت تحركات المالكي الأخيرة تعقيداً جديداً لمحاولات تشكيل الحكومة القادمة. فقد أشارت التقارير إلى نجاح فريقه السياسي في جمع تواقيع 125 نائباً تعهدوا برفض التجديد للسوداني. هذا الرقم يمثل ما يُعرف في القاموس السياسي العراقي بـ «الثلث المعطل» داخل مجلس النواب. ويعني هذا عملياً استحالة تمرير الاستحقاقات الدستورية، حيث يتطلب الدستور العراقي انتخاب رئيس الجمهورية بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان (220 نائباً على الأقل)، ليقوم الرئيس المنتخب بدور تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة.

التداعيات الأمنية وتأثيرها على المشهد السياسي

تتزامن هذه التجاذبات السياسية مع تصاعد ملحوظ في التوترات الأمنية داخل البلاد. فقد شهد العراق مؤخراً استهدافاً لقيادات في الفصائل المسلحة، إلى جانب تصاعد الهجمات التي تطال المصالح الأمريكية. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يحاول كل طرف داخل التحالف الحاكم استثمار هذه التطورات الأمنية لتعزيز حظوظ مرشحه في معركة السلطة التي تدور رحاها منذ نحو ثلاثة أشهر.

جدل «الكتلة الأكبر» وموقف القضاء

في خضم هذا الصراع المحتدم، عاد الجدل الدستوري حول مفهوم «الكتلة الأكبر» إلى الواجهة. وقد برز هذا النقاش بقوة بعد الانتقادات المتكررة التي أطلقها رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، والذي وصف الجدل المستمر حول هذا المفهوم بأنه خطيئة سياسية تسببت في تكرار أزمات تشكيل الحكومات المتعاقبة في العراق. وقد قرأ المراقبون تصريحات زيدان على أنها محاولة للخروج من الأزمة السياسية الحالية، واعتبروها أقرب إلى دعم موقف السوداني، الذي كان تحالفه قد حصد العدد الأكبر من المقاعد في الانتخابات الأخيرة قبل أن يتنازل لصالح المالكي مطلع العام الحالي.

انقسامات داخل الإطار التنسيقي

أدى هذا الموقف إلى ما وصفته أوساط سياسية عراقية بـ «انقلاب سياسي» داخل الإطار التنسيقي. فقد بدأت شخصيات بارزة كانت تؤيد ترشيح المالكي تميل تدريجياً نحو خيار التجديد للسوداني. ووفقاً لتصريحات النائبة عالية نصيف، فإن قيادات وازنة مثل عمار الحكيم (زعيم تيار الحكمة)، وقيس الخزعلي (زعيم عصائب أهل الحق)، وهادي العامري (زعيم تحالف الفتح)، يدعمون بقاء السوداني لولاية ثانية. وقد تجلى هذا الانقسام في إخفاق الإطار التنسيقي في عقد اجتماع حاسم لمناقشة سحب ترشيح المالكي واستبداله بالسوداني.

من جانبه، أكد القيادي في تيار الحكمة، حسن فدعم، أن القوى السياسية قد تحسم اسم مرشح رئاسة الحكومة خلال الأيام القادمة، لكنها لا تزال تنتظر حسم القوى الكردية لمرشح رئاسة الجمهورية قبل المضي في الخطوات الدستورية.

الأهمية والتأثير المتوقع للأزمة

يحمل هذا الصراع تأثيرات بالغة الأهمية على مستويات عدة. محلياً، يهدد استمرار الانسداد السياسي بتعطيل إقرار الموازنات وتأخير المشاريع الخدمية، مما قد يثير غضب الشارع العراقي. إقليمياً ودولياً، يراقب المجتمع الدولي هذه التطورات بقلق، فاستقرار العراق يُعد ركيزة أساسية لأمن الشرق الأوسط، وأي فراغ سياسي في بغداد قد يؤثر سلباً على توازنات القوى في المنطقة بأسرها.

spot_imgspot_img