أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق عن تحقيق خطوة جديدة ومهمة في مسار استرداد الأموال المنهوبة في العراق، حيث تمكنت محكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة وغسل الأموال من استعادة نحو 15.3 مليون دولار أمريكي، ما يعادل تقريباً 20 مليار دينار عراقي. وتأتي هذه الخطوة في إطار التحقيقات القضائية المستمرة لملاحقة المتورطين في جرائم الفساد المالي والإداري وعمليات الاحتيال التي استهدفت مقدرات الشعب العراقي والمال العام طيلة السنوات الماضية.
جهود استرداد الأموال المنهوبة في العراق تحقق أرقاماً قياسية
أوضح مجلس القضاء الأعلى في بيانه الرسمي أن استرجاع هذا المبلغ الضخم يندرج ضمن سلسلة من الإجراءات القانونية الصارمة المتخذة بحق الأفراد والشبكات التي استغلت مناصبها لتحقيق مكاسب غير مشروعة. وأكد القضاء استمرار الملاحقات القانونية دون استثناء، مشيراً إلى أن الدولة تتيح بعض التسهيلات القانونية وتخفيف العقوبات للمتهمين الذين يبدون تعاوناً فعلياً ويعيدون الأموال التي استولوا عليها إلى خزينة الدولة.
وبحسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهات الرقابية، فإن القيمة الإجمالية للأموال والأصول المستردة حتى الآن تجاوزت حاجز 535 مليون دولار أمريكي، وهو ما يفوق 700 مليار دينار عراقي. ولم تقتصر هذه المستردات على السيولة النقدية فحسب، بل شملت أيضاً سبائك ومشغولات ذهبية بملايين الدولارات، بالإضافة إلى أصول عقارية شملت منازل فخمة ومزارع وأراضٍ تم الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية.
السياق التاريخي لظاهرة الفساد وحملات التطهير الحالية
عانى العراق على مدى العقود الماضية من تحديات هيكلية واقتصادية عميقة جراء تفشي الفساد المالي والإداري، الذي أثر سلباً على مشاريع التنمية والبنية التحتية. ومنذ يونيو الماضي، أطلقت السلطات العراقية بالتنسيق بين مجلس القضاء الأعلى والحكومة حملة وطنية غير مسبوقة لتطهير مؤسسات الدولة. استهدفت هذه الحملة شبكات فساد معقدة تضم مسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم نواب حاليون وسابقون، ووكلاء وزارات، ومديرون عامون، بالإضافة إلى شخصيات سياسية بارزة تخضع حالياً لتحقيقات مكثفة.
تأتي هذه التحركات استجابة للمطالب الشعبية المستمرة بضرورة تحقيق العدالة وحماية ثروات البلاد، حيث كشفت الأجهزة الأمنية والقضائية مؤخراً عن مخابئ سرية احتوت على ملايين الدولارات وكميات كبيرة من الذهب كانت معدة للتهريب خارج البلاد، ومن أبرزها ضبط نحو 19 مليون دولار نقداً في أحد الأوكار السرية.
التأثيرات الاقتصادية والسياسية محلياً وإقليمياً
يحمل نجاح العراق في استعادة هذه المبالغ دلالات اقتصادية وسياسية بالغة الأهمية. على الصعيد المحلي، أعلنت الحكومة العراقية أن كافة الأموال المستردة سيتم توجيهها مباشرة لدعم الخزينة العامة للدولة، مما يسهم بشكل فعال في تقليص عجز الموازنة العامة وتمويل المشاريع الخدمية والتنموية المتوقفة، مثل بناء المدارس والمستشفيات وتطوير شبكات الطرق.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن هذه الخطوات تعزز من ثقة المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب في بيئة الأعمال العراقية. إن إظهار الجدية في تطبيق القانون ومكافحة غسل الأموال يرفع من تصنيف العراق الائتماني ويسهل اندماجه في المنظومة الاقتصادية العالمية، مما يمهد الطريق لجذب استثمارات دولية تسهم في استقرار البلاد ونموها المستدام.

