في خطوة تهدف إلى إعادة الاستقرار للنظام المالي، أعلن البنك المركزي العراقي عن اتخاذ حزمة من الإجراءات الحاسمة لمعالجة أزمة المصارف العراقية المحرومة من الدولار. تأتي هذه التحركات في وقت حرج يسعى فيه العراق إلى تعزيز ثقة المجتمع الدولي في قطاعه المصرفي، وضمان انسيابية التحويلات المالية الخارجية بما يتوافق مع المعايير العالمية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
جذور الأزمة: لماذا تم تقييد وصول بعض البنوك للعملة الصعبة؟
لفهم أبعاد هذه المشكلة، يجب العودة إلى السياق التاريخي القريب للحدث. بدأت الأزمة تتصاعد أواخر عام 2022 وبداية عام 2023، عندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الاحتياطي الفيدرالي قيوداً صارمة على التحويلات المالية الخارجة من العراق. كان الهدف الأساسي من هذه الإجراءات هو الحد من عمليات تهريب العملة الصعبة إلى دول تخضع لعقوبات دولية، وضبط حركة الأموال عبر منصة إلكترونية جديدة مرتبطة بنظام “سويفت” (SWIFT) العالمي.
هذه المنصة تطلبت شفافية تامة في الإفصاح عن المستفيدين النهائيين من التحويلات. ونتيجة لعدم قدرة بعض البنوك على التكيف السريع مع هذه المتطلبات الصارمة، أو بسبب وجود مخالفات في سجلاتها السابقة، تم إدراجها ضمن قائمة المنع، مما أدى إلى ظهور أزمة ما بات يُعرف بالمصارف الممنوعة من التعامل بالعملة الأمريكية، وهو ما أثر بشكل مباشر على سعر صرف الدينار العراقي في السوق الموازي.
خارطة طريق البنك المركزي لتأهيل المصارف العراقية المحرومة من الدولار
للخروج من هذا النفق، تبنى البنك المركزي استراتيجية تصحيحية شاملة. وفي هذا السياق، أوضح أحمد داود سلمان، مدير قسم التحويلات في البنك المركزي، أن الجهود مستمرة ومكثفة بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية المتخصصة في التدقيق المالي. الهدف من هذا التعاون هو المراجعة الدقيقة والشاملة لجميع عمليات التحويل السابقة التي كانت السبب المباشر في حرمان هذه المؤسسات المالية من التعامل بالدولار الأمريكي.
وأكد سلمان أن البنك المركزي قد وضع سلسلة من الشروط والإجراءات الصارمة التي يجب على البنوك الالتزام بها. ولضمان التنفيذ الأمثل، يعمل مدير عام دائرة الاستثمارات للتحويلات الخارجية جنباً إلى جنب مع مدير عام دائرة الرقابة على المصارف، وبالشراكة مع شركة التدقيق العالمية المرموقة “أوليفر وايمان” (Oliver Wyman). ومن المتوقع أن تثمر هذه الجهود المشتركة عن تغييرات إيجابية ملموسة في الأيام القليلة القادمة، مما يمهد الطريق لرفع الحظر تدريجياً.
التأثيرات المتوقعة لعودة البنوك إلى النظام المالي العالمي
إن نجاح هذه الإجراءات لن يقتصر تأثيره على البنوك المعنية فحسب، بل سيمتد ليشمل الاقتصاد العراقي برمته. على الصعيد المحلي، سيؤدي إعادة دمج هذه المصارف في نظام التحويلات إلى زيادة المعروض من العملة الأجنبية في الأسواق الرسمية، مما يساهم في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي للدينار العراقي، وبالتالي تخفيف الأعباء التضخمية عن كاهل المواطن.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن التزام العراق بتطبيق معايير الامتثال المالي العالمية سيعزز من مكانته كشريك اقتصادي موثوق. سيؤدي ذلك إلى تسهيل حركة التجارة الخارجية، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية التي كانت تتخوف من ضبابية المشهد المالي. كما أن هذه الخطوات ستعزز من متانة العلاقات الثنائية بين المؤسسات المالية العراقية والبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مما يضمن استقراراً مالياً مستداماً للعراق في المستقبل.


