في خطوة حاسمة نحو تحقيق العدالة وترسيخ سيادة القانون، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي عن بدء الإجراءات القضائية بحق 150 عنصراً إرهابياً من تنظيم “داعش” تم تسلمهم مؤخراً من القوات الأمريكية في سوريا. يمثل هذا التطور نقطة محورية في جهود العراق المستمرة لمكافحة الإرهاب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم البشعة التي ارتكبها التنظيم.
السياق التاريخي وتحديات ما بعد “داعش”:
شهد العراق وسوريا خلال العقد الماضي صعود تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي سيطر على مساحات واسعة من الأراضي وأقام ما أسماه “الخلافة”، ممارساً أبشع أشكال العنف والاضطهاد ضد المدنيين. لقد خلّف التنظيم وراءه دماراً هائلاً، وملايين النازحين، وآلاف الضحايا. وبعد سنوات من المعارك الضارية التي خاضتها القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي، تمكن العراق من إعلان النصر على “داعش” إقليمياً في عام 2017. ومع ذلك، بقيت تحديات جسيمة، أبرزها التعامل مع آلاف المقاتلين المعتقلين في سوريا، بمن فيهم الأجانب، الذين يشكلون تهديداً أمنياً مستمراً وإشكالاً قانونياً معقداً.
تفاصيل عملية التسليم والإجراءات القضائية:
تأتي هذه الدفعة الأولى من المعتقلين، التي تضم 150 عنصراً، ضمن جهود منسقة بين بغداد وواشنطن لضمان بقاء هؤلاء الإرهابيين في مرافق احتجاز آمنة وخضوعهم للمساءلة القانونية. وقد شدد القضاء العراقي على ضرورة توثيق وأرشفة الجرائم الإرهابية المرتكبة بدقة، وبالتنسيق مع المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي. هذا التوثيق يهدف إلى تثبيت الوقائع الإجرامية ذات الطابع العابر للحدود، وتعزيز التعاون القضائي الدولي، وضمان عدم إفلات أي متهم من العقاب.
وأكد مجلس القضاء الأعلى أن جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم الإرهابي، سيخضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً. وستُطبق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء، بما يحفظ حقوق الضحايا ويكرس مبدأ سيادة القانون في العراق. هذا الموقف يعكس التزام العراق بمحاكمة هؤلاء الأفراد على الأراضي العراقية، حيث ارتكبت معظم جرائمهم، وهو ما يعتبر خطوة أساسية لتحقيق العدالة للضحايا العراقيين.
تأمين الحدود والاستعدادات الأمنية:
تزامناً مع عملية التسليم، أكد وزير الداخلية العراقي، عبد الأمير الشمري، أن الحدود العراقية مؤمنة بالكامل ولا يوجد أي خطر، وذلك خلال زيارته إلى الشريط الحدودي مع سوريا. كما وصل رئيس أركان الجيش العراقي، عبد الأمير رشيد يار الله، على رأس وفد عسكري إلى قضاء سنجار في محافظة نينوى، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية وحساسية أمنية بالغة، لمتابعة الاستعدادات الأمنية وتفقد القطعات. هذه التحركات تؤكد جاهزية القوات العراقية للتصدي لأي محاولات تسلل أو تهديدات محتملة من فلول “داعش”.
الأهمية والتأثير المتوقع:
لهذه الإجراءات القضائية والأمنية أهمية بالغة على عدة مستويات:
- محلياً: تعزز ثقة المواطنين في النظام القضائي وتوفر بعضاً من العدالة للضحايا الذين عانوا من وحشية “داعش”. كما أنها تبعث برسالة قوية بأن العراق لن يتهاون في ملاحقة الإرهابيين ومحاسبتهم، مما يساهم في ردع أي محاولات مستقبلية لإعادة تنظيم صفوفهم.
- إقليمياً: تساهم هذه الخطوة في استقرار المنطقة من خلال تقليل التهديد الذي يشكله وجود آلاف المعتقلين في مخيمات سوريا، والتي كانت بؤراً محتملة لتجنيد وتطرف جديد. كما أنها تعزز التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات.
- دولياً: تؤكد التزام العراق بالمعايير الدولية في مكافحة الإرهاب وتعامله مع ملف المقاتلين الأجانب. وقد أشادت القيادة المركزية الأمريكية بالدور العراقي، مشيرة إلى أن تسهيل النقل المنظم والآمن لمعتقلي “داعش” أمر بالغ الأهمية لمنع أي عملية هروب قد تشكل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة والعالم. وتوقعت القيادة المركزية الأمريكية نقل ما يصل إلى 7 آلاف معتقل من عناصر “داعش” في سوريا إلى مرافق خاضعة لسيطرة السلطات العراقية في نهاية المطاف، مما يبرز حجم المسؤولية الملقاة على عاتق القضاء والأمن العراقيين.
إن بدء هذه المحاكمات يمثل فصلاً جديداً في معركة العراق ضد الإرهاب، مؤكداً على أن النصر العسكري يجب أن يتبعه نصر قضائي يحقق العدالة ويضمن عدم إفلات المجرمين من العقاب.


