في خطوة دبلوماسية بارزة تؤكد التزام أيرلندا الراسخ بدعم الشعب الفلسطيني والتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، قامت وزيرة الخارجية والتجارة والدفاع الأيرلندية، هيلين ماكنتي، بزيارة ميدانية مهمة إلى معبر رفح البري على الحدود المصرية الفلسطينية، بالإضافة إلى تفقد مخازن الهلال الأحمر المصري في مدينة العريش. هذه الزيارة، التي جرت يوم الثلاثاء، تأتي ضمن جولة إقليمية أوسع تشمل مصر والأردن، وتهدف إلى الوقوف عن كثب على الجهود المبذولة لإيصال المساعدات الإنسانية الحيوية إلى القطاع، في ظل التحديات الكبيرة والقيود المستمرة التي تعرقل تدفقها.
تاريخياً، لطالما كانت أيرلندا من أبرز الدول الأوروبية الداعمة للقضية الفلسطينية، مستلهمة موقفها من تجربتها التاريخية الخاصة في مواجهة الاستعمار والنضال من أجل تقرير المصير. هذا الدعم ليس جديداً، بل هو جزء من سياسة خارجية أيرلندية ثابتة تدعو إلى حل الدولتين وتدين انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتعتبر أيرلندا من الدول القليلة التي حافظت على دعمها لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) حتى في أوقات الأزمات المالية والسياسية، مما يعكس عمق التزامها الإنساني والسياسي.
خلال جولتها، استقبل محافظ شمال سيناء، اللواء خالد مجاور، الوزيرة الأيرلندية، حيث بدأت بتفقد مخازن الهلال الأحمر المصري في العريش، واطلعت على آليات تخزين وتجهيز وإدخال المساعدات. هذه المخازن تمثل شرياناً حيوياً لإمداد غزة بالاحتياجات الأساسية. كما زارت الوزيرة الجانب المصري من معبر رفح، والتقت بمسؤولين من الهلال الأحمر المصري وشركاء إنسانيين رئيسيين من الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة الدولية. تركزت المناقشات على التحديات اللوجستية والأمنية التي تواجه إدخال المساعدات، والتي تفاقمت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق داخل القطاع.
أعربت الوزيرة ماكنتي عن تقديرها العميق للدور المحوري الذي تلعبه مصر في تهدئة الوضع في غزة وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، مؤكدة أن مصر شريك أساسي وحاسم في الجهود الإقليمية والدولية لتحقيق الاستقرار. وشددت على أن بلادها ستنضم إلى الجهود المصرية الرامية إلى ضمان تدفق سلس وغير منقطع للمساعدات. هذا التعاون يعكس أهمية التنسيق الدولي لمواجهة الأزمة الإنسانية المعقدة.
تأتي هذه الزيارة بعد يوم واحد من لقاء موسع عقدته الوزيرة في القاهرة مع وزير الخارجية المصري، بدر عبدالعاطي. تناول اللقاء تطورات المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية لقطاع غزة، وضرورة تشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية مؤقتة لإدارة شؤون القطاع. كما أكد الجانبان رفضهما القاطع لأي محاولات للتهجير القسري أو الطوعي للفلسطينيين، مشددين على أن معبر رفح يجب أن يعمل من الجانبين لضمان تدفق المساعدات والإجلاء الطبي، إضافة إلى دعم حل الدولتين كحل شامل وعادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. هذه النقاط تعكس توافقاً دولياً متزايداً على ضرورة حماية المدنيين ورفض التغييرات الديموغرافية القسرية.
في إطار التزامها المالي، تعهدت أيرلندا بتقديم 42 مليون يورو كتمويل ضخم لمختلف وكالات الدعم التي تعمل على مساعدة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية. يشمل هذا التمويل 20 مليون يورو كتمويل أساسي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي تواجه تحديات تمويلية كبيرة، و2 مليون يورو لجمعيتي الهلال الأحمر المصري والفلسطيني. سيتم تخصيص الأموال الأخرى على أساس كل حالة على حدة طوال عام 2026. هذا الدعم المالي يعزز قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات الملحة ويؤكد موقف أيرلندا الثابت تجاه الأونروا، التي تعتبر العمود الفقري للاستجابة الإنسانية في المنطقة.
إن هذه المساعدات الأيرلندية الكبيرة والزيارة الدبلوماسية رفيعة المستوى تحمل أهمية بالغة على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي. محلياً، توفر دعماً حيوياً للمتضررين في غزة وتخفف من معاناتهم. إقليمياً، تعزز التعاون بين أيرلندا ومصر والأردن في جهود الإغاثة والدبلوماسية. دولياً، تسلط الضوء مجدداً على الأزمة الإنسانية في غزة وتضع ضغطاً إضافياً على المجتمع الدولي للتحرك بفاعلية أكبر، وتؤكد على أهمية الحفاظ على القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. كما أنها تبعث برسالة واضحة حول ضرورة إيجاد حل سياسي دائم للصراع، مبني على العدالة وحقوق الإنسان.


