في تطور ميداني متسارع يهدد اتفاق التهدئة الهش، جدد الجيش الإسرائيلي اليوم الأحد قصف الضاحية الجنوبية لبيروت مستهدفاً مركز قيادة تابعاً لحزب الله، وذلك بعد ساعات قليلة من توجيه إنذارات عاجلة لسكان نحو 30 بلدة في جنوب لبنان بضرورة الإخلاء الفوري. وتأتي هذه الغارات الجوية لتزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين بخرق بنود وقف إطلاق النار المؤقت الذي جرى التوصل إليه برعاية دولية.
تفاصيل الغارة الإسرائيلية واستهداف وحدة الاتصالات
أفادت مصادر عسكرية إسرائيلية بأن الغارة الجوية الدقيقة التي استهدفت منطقة الغبيري في الضاحية الجنوبية لبيروت كانت موجهة بشكل مباشر نحو قائد كبير في وحدة الاتصالات الخاصة التابعة لحزب الله. من جانبه، أكد المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر منصة “إكس”، أن الهجوم استهدف بنى تحتية ومراكز قيادة حيوية للحزب. وفي المقابل، أكدت مصادر طبية وميدانية لبنانية أن القصف أسفر عن سقوط قتيل وإصابة عدد من المدنيين بجروح متفاوتة الخطورة، بالإضافة إلى إلحاق أضرار مادية جسيمة بالمباني السكنية المحيطة.
مواقف اليمين الإسرائيلي وتطبيق “عقيدة الضاحية”
أثار هذا التصعيد ردود فعل واسعة داخل الحكومة الإسرائيلية، حيث أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس بياناً مشتركاً أكدا فيه أن الجيش لن يتهاون مع أي خروقات. وجاءت هذه التصريحات بعد إعلان الجيش الإسرائيلي عن رصد وإسقاط ثلاث طائرات مسيرة أطلقها حزب الله باتجاه بلدتي شوميرا وشلومي في شمال إسرائيل. وفي هذا السياق، دعا وزراء اليمين المتطرف إلى تشديد الضربات؛ حيث صرح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأن إطلاق النار على الشمال هو اختبار حقيقي لـ “عقيدة الضاحية” التي تقتضي الرد العنيف الفوري. كما طالب وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير بأن “ترتجف الضاحية” مقابل كل خرق لوقف إطلاق النار، تماشياً مع قرار المجلس الأمني المصغر الذي يتيح قصف العاصمة اللبنانية دون الحاجة لموافقة سياسية مسبقة.
الجذور التاريخية للصراع واستهداف العاصمة اللبنانية
يعود الصراع بين إسرائيل وحزب الله إلى عقود مضت، وتحديداً منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وتأسيس الحزب كقوة مقاومة مسلحة. وقد شكلت حرب تموز 2006 محطة مفصلية كرست الضاحية الجنوبية كمعقل أساسي للبنية السياسية والعسكرية للحزب، مما جعلها هدفاً متكرراً للاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ “عقيدة الضاحية”، والتي تعتمد على استخدام القوة المفرطة لتدمير البنية التحتية بغرض ردع الخصم. إن العودة إلى هذا الأسلوب اليوم تعكس عمق الأزمة وغياب الثقة المستدامة بين الطرفين بالرغم من الجهود الدبلوماسية المستمرة.
الأبعاد الإقليمية والدولية لـ قصف الضاحية الجنوبية لبيروت
يحمل استمرار قصف الضاحية الجنوبية لبيروت تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يؤدي القصف المستمر إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية في لبنان، وزيادة معدلات النزوح الداخلي وتدمير ما تبقى من بنية تحتية متهالكة. إقليمياً، يهدد هذا التصعيد بانهيار شامل لاتفاق وقف إطلاق النار، مما قد يجر قوى إقليمية أخرى وعلى رأسها إيران إلى مواجهة مباشرة جديدة. أما دولياً، فإن هذا التوتر يضع الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة الرئيس دونالد ترامب والوسطاء الأوروبيين أمام تحدٍ حرج للحفاظ على قنوات الدبلوماسية ومنع انزلاق الشرق الأوسط نحو حرب إقليمية واسعة النطاق لا يمكن التنبؤ بنهايتها.


