بعد 48 ساعة فقط من افتتاحه بشكل محدود، أغلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي معبر رفح الحدودي، ملغيةً تنسيق سفر الدفعة الثالثة من المرضى والجرحى من قطاع غزة. هذه الخطوة المفاجئة تعمق بشكل كبير معاناة آلاف المرضى وتكشف عن استمرار القيود الإسرائيلية المشددة على حركة السفر، مما يفاقم الأزمة الإنسانية المتصاعدة في القطاع المحاصر.
وأكد المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني في غزة، رائد النمس، أنهم أُبلغوا رسمياً بإلغاء تنسيق سفر المرضى والجرحى دون إبداء أسباب، وذلك رغم بدء الطواقم الطبية بتجهيز دفعة جديدة من الحالات الحرجة للمغادرة. وأضاف النمس أن هذا القرار المفاجئ عطل سفر عشرات المرضى الذين كانوا يستعدون لمغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج، في ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية في غزة.
في المقابل، أفاد منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية بالضفة الغربية وغزة بأن معبر رفح فُتح صباح اليوم بخلاف التقارير المنشورة، لكن منظمة الصحة العالمية لم تقدم تفاصيل التنسيق اللازمة لأسباب إجرائية، وعند تقديمها سيُسمح للفلسطينيين بالمغادرة من معبر رفح. إلا أن هذا التبرير لم يغير من واقع إغلاق المعبر أمام الحالات الإنسانية الحرجة.
الأهمية الحيوية لمعبر رفح والسياق التاريخي:
يُعد معبر رفح الشريان الحيوي الوحيد لقطاع غزة الذي لا يخضع للسيطرة الإسرائيلية المباشرة، مما يجعله بوابة أساسية لحركة الأفراد والبضائع، وخاصة المساعدات الإنسانية والإغاثية. على مر السنين، ومع فرض الحصار على غزة، اكتسب المعبر أهمية قصوى كمتنفس وحيد للفلسطينيين، خاصة للمرضى الذين يحتاجون إلى علاج عاجل غير متوفر داخل القطاع. تاريخياً، شهد المعبر إغلاقات متكررة وقيوداً مشددة، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية لسكان غزة.
تفاقم الأزمة الإنسانية والصحية:
يأتي قرار وقف السفر في المعبر بعد ادعاء الجيش الإسرائيلي إصابة ضابط في قوات الاحتياط بـ«جروح خطيرة» في هجوم شمال قطاع غزة، وتأكيد وسائل إعلام إسرائيلية أن «تل أبيب سترد بشكل قاسٍ». هذه الإجراءات، التي غالباً ما تُفسر على أنها عقاب جماعي، تزيد من عزلة القطاع وتفاقم الأزمة الإنسانية. المنظومة الصحية في غزة تعاني بالفعل من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، فضلاً عن تدمير جزء كبير من بنيتها التحتية، مما يجعل السفر للخارج أملاً وحيداً لكثير من المرضى والجرحى.
عراقيل وصعوبات مستمرة:
ذكرت مصادر فلسطينية أن 40 فلسطينياً من العائدين إلى قطاع غزة وصلوا بعد فترة انتظار طويلة، وسط عراقيل وصعوبات وصفت بأنها كبيرة فرضها جيش الاحتلال على المعبر، شملت التفتيش والتحقيق والتضييق على حركة المسافرين. هذا يؤكد أن حتى الفتح المحدود للمعبر لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الإنسانية. وبشكل محدود وبقيود مشددة، بدأ في الـ2 من فبراير الجاري تشغيل معبر رفح الحدودي بين مصر وغزة، للمرة الأولى منذ نحو عامين، إذ كان من المتوقع وفق الاتفاق أن يعبر إلى القطاع في اليوم الأول 50 فلسطينياً، وإلى مصر 50 مريضاً مع مرافقَين لكل شخص، لكن لم يصل إلى القطاع سوى 12 فلسطينياً، ولم يغادره سوى 8، مما يعكس حجم القيود المفروضة.
دعوات حماس والوسطاء:
من جانبها، وصفت حركة حماس التنكيل بالعائدين من معبر رفح بأنه «جريمة»، وطالبت الوسطاء والدول الضامنة بالتحرك الفوري لوقف هذه الممارسات. كما أكدت الحركة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يقيد دخول المساعدات بشكل كبير إلى القطاع، مشددة على أنه لم يطرأ أي تحسن على دخول المساعدات، رغم دخول اتفاق وقف الحرب على غزة مرحلته الثانية. وقال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إنه مع تأثر قطاع غزة بمنخفض جوي جديد، تتفاقم الأوضاع الكارثية للنازحين في خيامهم، ويزيد من ذلك منع إدخال الوقود والغاز إلا بكميات شحيحة جداً.
بدوره، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى تسهيل مرور المساعدات الإنسانية على نطاق واسع إلى قطاع غزة، بما في ذلك عبر معبر رفح. وقال خلال جلسة سنوية للجنة الأممية المعنية بحقوق الفلسطينيين: إن أي حل مستدام في غزة يجب أن يكون متسقاً مع القانون الدولي، وأن يؤدي إلى حكم فلسطيني موحد وشرعي ومعترف به دولياً.
التأثيرات المتوقعة والآفاق المستقبلية:
إن إغلاق معبر رفح المتكرر لا يؤثر فقط على حياة الأفراد بشكل مباشر، بل يرسل أيضاً رسالة سلبية حول التزام الأطراف بتسهيل العمل الإنساني. هذا الإغلاق يعرقل جهود الإغاثة الدولية ويضع ضغوطاً إضافية على مصر التي تلعب دوراً محورياً في تنسيق المساعدات. على الصعيد الإقليمي والدولي، يثير هذا الإجراء قلقاً متزايداً بشأن تفاقم الأوضاع في غزة، ويدعو إلى ضرورة إيجاد حلول دائمة تضمن حرية حركة الأفراد والمساعدات، بعيداً عن التوترات السياسية والعسكرية، بما يتماشى مع القانون الإنساني الدولي.


