كشفت مصادر إسرائيلية وعربية رفيعة المستوى عن خطط للجيش الإسرائيلي لشن عمليات عسكرية جديدة في قطاع غزة خلال شهر مارس القادم، وذلك في ظل تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الهش. هذا التطور يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الهدوء في القطاع المحاصر، ويزيد من المخاوف بشأن تجدد دوامة العنف في منطقة تعاني أصلاً من أزمة إنسانية عميقة.
وفقاً لمسؤول إسرائيلي ودبلوماسي عربي، فإن المرحلة الثانية من الاتفاق كانت تهدف إلى نزع سلاح حركة حماس ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة. الولايات المتحدة، التي لعبت دوراً محورياً في الوساطة، تضغط بشدة لتنفيذ هذه المرحلة، مؤكدة أن أي عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق لن تمضي قدماً دون دعمها، بحسب ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».
الخطة الإسرائيلية، بحسب المصادر، ستركز على مدينة غزة، وتهدف إلى تحريك ما يسمى بـ «الخط الأصفر»، وهو خط يمثل تقسيمًا جديدًا للأراضي داخل القطاع، مما يشير إلى تغييرات محتملة في الجغرافيا السياسية للمنطقة وتوزيع السيطرة فيها.
في المقابل، أكدت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين عرب وإسرائيليين أن حركة حماس تستعد بدورها لاستئناف القتال. وتشمل هذه الاستعدادات إعادة بناء بعض الأنفاق المتضررة تحت الأرض، وتأمين تمويلات جديدة لدفع رواتب مقاتليها وتجنيد عناصر جديدة، مما يعكس استعداداً كاملاً للمواجهة المحتملة.
السياق التاريخي للصراع وتأثيره على غزة:
الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يمتد لعقود طويلة، وشهد قطاع غزة على وجه الخصوص جولات عديدة من العنف والحروب المدمرة. منذ عام 2007، بعد سيطرة حماس على القطاع، تكررت المواجهات الكبرى، مثل حروب 2008-2009، 2012، 2014، و2021، التي خلفت دماراً هائلاً وخسائر بشرية فادحة. الاشتباكات الحالية، التي بدأت بعد أحداث السابع من أكتوبر، أدت إلى واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في تاريخ القطاع، مع تدمير واسع النطاق للبنية التحتية ونزوح جماعي للسكان. الهدنة المؤقتة التي دخلت حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر الماضي بوساطة أمريكية، كانت تهدف إلى تخفيف حدة التوتر وفتح الباب أمام حلول طويلة الأمد، لكن تعثر المرحلة الثانية يهدد بانهيار هذه الجهود الدبلوماسية.
على الرغم من هذه التطورات، نقلت الصحف عن المسؤولين قولهم إن إسرائيل مستعدة لمنح مزيد من الوقت لتنفيذ خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في إشارة إلى استمرار البحث عن أفق سياسي، وإن كان القرار النهائي بشأن خطط الحرب الجديدة يعود إلى القيادة السياسية الإسرائيلية.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
أي استئناف للعمليات العسكرية سيفاقم الكارثة الإنسانية في غزة بشكل غير مسبوق. القطاع يعاني بالفعل من نقص حاد في الغذاء والماء والدواء، وتدمير شبه كامل للمستشفيات والمنازل. ملايين الفلسطينيين يعيشون في ظروف مزرية، وأي تصعيد جديد سيعني المزيد من المعاناة والنزوح، وربما انهيار كامل لما تبقى من بنية تحتية أساسية.
على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي تجدد القتال إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. الدول المجاورة مثل مصر والأردن، التي تلعب أدواراً حيوية في الوساطة وتقديم المساعدات، ستتأثر بشكل مباشر. كما أن التصعيد قد يعرقل جهود التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية، ويزيد من التوترات في مناطق أخرى مثل لبنان وسوريا، مما يهدد بتوسع نطاق الصراع.
دولياً، ستواجه الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ضغوطاً متزايدة للتدخل الفعال. الدعوات لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين ستتصاعد، وستتأثر سمعة الأطراف المتورطة. كما أن الأزمة الإنسانية ستتطلب جهود إغاثة دولية أكبر، وقد تؤدي إلى تحولات في السياسات الخارجية للدول الكبرى تجاه الصراع، مع تزايد المطالبات بالعدالة والمساءلة.
في ظل هذه التطورات المعقدة، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي استهداف قيادات حماس في غزة وقصف بعض المناطق رغم سريان وقف إطلاق النار. وينتظر أن تعلن الإدارة الأمريكية خلال الأيام القليلة القادمة عن أعضاء مجلس السلام الذي سيشرف على غزة وفق خطة السلام الأمريكية، مما يشير إلى استمرار الجهود الدبلوماسية بالتوازي مع التهديدات العسكرية. يبقى السؤال معلقاً: هل ستنجح الدبلوماسية في منع جولة جديدة من العنف، أم أن المنطقة على موعد مع تصعيد آخر قد يغير ملامحها؟


