spot_img

ذات صلة

إسرائيل ترفض الانسحاب من غزة: شروط نزع سلاح حماس وتداعيات الأزمة

تؤكد مصادر دبلوماسية أن إسرائيل ترفض الانسحاب الكامل من قطاع غزة، مشترطةً ذلك بنزع سلاح حركة حماس، في موقف يعكس تعقيدات المشهد السياسي والأمني الراهن. وتشير تل أبيب إلى عدم وجود أي مؤشرات على استعداد الحركة لإلقاء أسلحتها، مما يزيد من صعوبة التوصل إلى حلول مستدامة للصراع الدائر.

هذا الموقف الإسرائيلي ليس بجديد، بل يندرج ضمن سياق تاريخي طويل من الصراع بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، التي شهدت عدة جولات من التصعيد العسكري والتوترات المستمرة. لطالما كانت قضية السيطرة الأمنية ونزع سلاح الفصائل المسلحة محوراً رئيسياً في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالقطاع، الذي يخضع لحصار إسرائيلي مصري منذ عام 2007، مما أثر بشكل كبير على ظروف الحياة فيه. تاريخياً، شهدت غزة عمليات عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق في أعوام 2008-2009، 2012، 2014، و2021، وكل منها كان يهدف، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى تقويض القدرات العسكرية لحماس والفصائل الأخرى. هذه الخلفية ترسخ قناعة إسرائيلية بضرورة نزع السلاح كشرط لأي ترتيبات أمنية مستقبلية، بينما ترى حماس أن سلاحها هو أداة للمقاومة والدفاع عن الشعب الفلسطيني.

تعقيد المسار السياسي وإعادة الإعمار

يزيد موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من تعقيد المسار السياسي، حيث أكد مراراً أن إسرائيل لن تسمح بإعادة إعمار غزة قبل تجريدها من السلاح. هذا الشرط يربط بشكل مباشر عملية الإعمار الحيوية وتدفق مواد البناء الأساسية بشروط أمنية قد تُعتبر فضفاضة وغير قابلة للتحقيق في المدى القريب، مما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع المدمر. ترى حماس أن تصريحات نتنياهو هذه مرتبطة بالانتخابات الداخلية الإسرائيلية، وليست مؤشراً على نية حقيقية للتوصل إلى حلول.

وفي سياق متصل، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن نية تل أبيب فتح معبر رفح الحدودي، الذي يربط غزة بمصر، بعد فترة طويلة من المماطلة. إلا أن هذا الفتح يأتي بشروط أمنية مشددة، تشمل ربط عبور المسافرين بموافقة مسبقة من جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، وفرض تفتيش دقيق عند الدخول إلى غزة باستخدام أجهزة الأشعة وبوابات كشف المعادن وأنظمة التعرف على الوجه في نقطة تفتيش تابعة لجيش الاحتلال. هذه الإجراءات تثير مخاوف بشأن حرية الحركة وتأثيرها على حياة الفلسطينيين، خاصة المرضى والجرحى الذين يحتاجون للعلاج خارج القطاع.

تسجيل خروقات متواصلة للهدنة وتفاقم الأزمة الإنسانية

على الرغم من تنفيذ بند تبادل الأسرى بشكل جزئي، فإن إسرائيل تتهرب من استحقاقات الخطة المتعلقة بالانسحاب الإضافي، وتستمر في ممارسات تفرغ مفهوم الهدنة من مضمونه. فقد سجل مكتب الإعلام الحكومي في غزة نحو 1300 خرق للاتفاق، بمعدل يتجاوز 13 خرقاً يومياً، تنوعت بين إطلاق نار مباشر (430 عملية)، وقصف واستهداف (604 عمليات)، ونسف مبانٍ سكنية (200 عملية)، وتوغلات للآليات داخل الأحياء (66 توغلاً). هذه الخروقات المستمرة، التي أدت إلى مقتل نحو 483 فلسطينياً، غالبيتهم العظمى من المدنيين (92%) والأطفال والنساء والمسنين (52%)، تعكس استمرار استخدام القوة في بيئة مدنية، وتثير تساؤلات جدية حول التزام الأطراف بوقف إطلاق النار.

تفاقمت الأزمة الإنسانية بشكل حاد بسبب العجز الكبير في تنفيذ بنود المرحلة الأولى من الاتفاق المتعلقة بإدخال المساعدات. فبدلاً من دخول 600 شاحنة مساعدات يومياً، لم يتجاوز المعدل الفعلي 261 شاحنة، مما أدى إلى نقص حاد في الغذاء والماء والدواء. كما أن نقص الوقود، حيث لم تعبر سوى 649 شاحنة من أصل 5000 كانت مفترضة (13% فقط)، أثر بشكل كارثي على المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء، مما قيد قدرات الطواقم الطبية على إنقاذ الأرواح. إضافة إلى ذلك، لم تدخل معدات إزالة الأنقاض والآليات الثقيلة اللازمة للدفاع المدني ومواد الإيواء بالقدر الكافي، وبقي معبر رفح مغلقاً أمام الحركة الطبيعية للمرضى والجرحى، مما يعيق جهود التعافي الأساسية.

تداعيات الموقف الإسرائيلي: محلياً، إقليمياً، ودولياً

تداعيات هذا الموقف الإسرائيلي تمتد لتشمل مستويات متعددة. محلياً، يعني استمرار الحصار والرفض الإسرائيلي للانسحاب وتجريد حماس من السلاح استمراراً لمعاناة سكان غزة، وتأجيلاً غير محدد الأجل لعملية إعادة الإعمار الضرورية. هذا الوضع يغذي اليأس والإحباط، وقد يؤدي إلى جولات جديدة من العنف. إقليمياً، يؤثر هذا الجمود على جهود الوساطة التي تبذلها دول مثل مصر وقطر والولايات المتحدة، ويهدد بزعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها، خاصة مع تصاعد التوترات في جبهات أخرى. دولياً، يضع هذا الموقف إسرائيل تحت ضغط متزايد من المجتمع الدولي، الذي يطالب بوقف إطلاق نار دائم، وتسهيل دخول المساعدات، والعمل نحو حل سياسي شامل يضمن الأمن للجميع ويحقق تطلعات الشعب الفلسطيني. الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية تواصل التحذير من كارثة إنسانية وشيكة في غزة، وتدعو إلى رفع القيود عن دخول المساعدات والمواد الأساسية.

في ظل هذه التطورات، يبقى مستقبل قطاع غزة غامضاً، وتتضاءل آمال التوصل إلى حل سلمي دائم ما لم تتغير المواقف وتُبذل جهود حقيقية لمعالجة جذور الصراع وتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحة.

spot_imgspot_img