أعرب الممثل السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ثمين الخطان، عن قلقه البالغ إزاء التقارير التي تفيد بأن طائرات إسرائيلية قامت برش مواد كيميائية على أراضٍ زراعية في جنوب لبنان، بالقرب من الخط الأزرق الفاصل بين البلدين. وأكد الخطان أن هذه الأعمال، إذا تأكدت، «مقلقة للغاية» في سياق القانون الإنساني الدولي، وتستدعي تحقيقاً فورياً لتحديد طبيعة هذه المواد وتأثيراتها.
كشفت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن الجيش الإسرائيلي كان قد أبلغها مسبقاً بنيته تنفيذ «أنشطة جوية لإسقاط مادة كيميائية غير سامة» فوق المناطق القريبة من الخط الأزرق. ومع ذلك، وصفت اليونيفيل هذا النشاط بأنه «غير مقبول» ويشكل انتهاكاً لقرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي يدعو إلى وقف الأعمال العدائية واحترام الخط الأزرق.
أفادت تقارير لبنانية بأن المادة الكيميائية المستخدمة هي مبيد الأعشاب «الغليفوسات»، بتركيزات تتجاوز المستويات المقبولة بما يتراوح بين 20 و30 ضعفاً. هذا الكشف أثار مخاوف جدية بشأن الآثار الصحية والبيئية طويلة الأمد. الغليفوسات هو مبيد أعشاب واسع الاستخدام، لكنه مثير للجدل بسبب تصنيف منظمة الصحة العالمية له كـ «مادة يحتمل أن تكون مسرطنة للإنسان»، بالإضافة إلى تأثيراته السلبية المعروفة على التنوع البيولوجي وصحة التربة والمياه.
تأتي هذه الحادثة في سياق تاريخ طويل من التوترات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. لطالما كانت هذه المنطقة نقطة اشتعال للصراعات، وقد أدت حرب يوليو 2006 إلى صدور قرار مجلس الأمن 1701، الذي يهدف إلى تعزيز الاستقرار على طول الخط الأزرق ووقف الأعمال العدائية. ينص القرار على احترام سيادة لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ويحدد منطقة عمليات اليونيفيل. أي عمل عسكري أو بيئي يمس هذه المنطقة يعتبر انتهاكاً صريحاً لهذا القرار ويهدد بتقويض جهود السلام والاستقرار.
تعتمد المجتمعات المحلية في جنوب لبنان بشكل كبير على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل والغذاء. إن رش المبيدات الكيميائية السامة على الأراضي الزراعية لا يدمر المحاصيل الحالية فحسب، بل يهدد أيضاً خصوبة التربة على المدى الطويل ويجعلها غير صالحة للزراعة، مما يؤثر بشكل مباشر على سبل عيش الآلاف من المزارعين وعائلاتهم. هذا يفاقم الأوضاع الاقتصادية الصعبة في المنطقة ويزيد من مخاطر النزوح، ويشكل تهديداً لأمن الغذاء في لبنان الذي يعاني أصلاً من أزمات متعددة.
أكد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن المنظمة على علم بهذه التقارير، وأن استخدام مبيدات الأعشاب يثير تساؤلات حول آثارها على الأراضي الزراعية المحلية وقدرة المدنيين على العودة إلى ديارهم ومصادر رزقهم. ودعا دوجاريك الأطراف إلى الالتزام بالقانون الإنساني الدولي، مشدداً على أن أي نشاط إسرائيلي شمال الخط الأزرق يعد انتهاكاً للقرار 1701. من جانبه، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون هذا الفعل ووصفه بـ «جريمة بيئية وصحية» ضد المواطنين اللبنانيين وأراضيهم، مطالباً المجتمع الدولي بوقف هذه الهجمات. كما أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية عزمها تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي.
أشارت منظمات حقوقية مثل المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إلى أن مثل هذه الأعمال قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، لأنها تستهدف مصادر رزق المدنيين وتعيق عودة النازحين. لقد عانت المنطقة الجنوبية اللبنانية بالفعل من أضرار زراعية تقدر بملايين الدولارات جراء النزاعات السابقة، مما يجعل هذه الهجمات الكيميائية ضربة إضافية قاسية لجهود التعافي والاستقرار. إن تدمير البيئة والموارد الطبيعية في مناطق النزاع له تداعيات إنسانية واقتصادية بعيدة المدى، ويجب أن يخضع للمساءلة الدولية.


