spot_img

ذات صلة

تجسس إسرائيل ببرنامج “جرافيت” على واتساب والصحفيين: فضيحة جديدة

أثار خطأ فني غير مقصود لشركة سايبراني الإسرائيلية المتخصصة في الأمن السيبراني جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن كشفت عن طريق الخطأ تفاصيل برنامج تجسس سري للغاية. هذا البرنامج، الذي يُعرف باسم “جرافيت” (Graphite)، يستهدف تطبيقات المراسلة الشهيرة مثل واتساب، بالإضافة إلى مئات الصحفيين والنشطاء حول العالم، مما يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية وحرية التعبير.

تكمن تفاصيل الحادثة في نشر شركة “باراغون سوليوشنز” (Paragon Solutions) الإسرائيلية، وهي شركة متخصصة في تطوير أدوات المراقبة، صورة لموظفين على حسابها في “لينكد إن”. ورغم حذف الصورة بعد دقائق، تمكن خبراء الأمن السيبراني من التقاطها وتحليلها، ليكشفوا عن تفاصيل تقنية حساسة لبرنامج “جرافيت” الذي يُقدر ثمنه بملايين الدولارات. وقد وصف الخبراء هذا الخطأ بأنه “ساذج” نظراً لحساسية المعلومات التي كشفها.

يُعد برنامج “جرافيت” نظام اختراق متطور للهواتف يعتمد على تقنية “الضغط الصفري” (Zero-Click)، مما يعني أنه قادر على اختراق الأجهزة دون أي تفاعل من المستخدم المستهدف. وقد أظهرت السجلات التي ظهرت في الصورة نشاط اختراق لهاتف يحمل اسم “فالنتينا”، تضمن الوصول إلى رسائل واتساب وتليجرام وتيك توك. هذه القدرة على التسلل الصامت إلى الاتصالات الخاصة تثير تساؤلات خطيرة حول نطاق المراقبة المحتملة وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات.

تأتي هذه الفضيحة في سياق أوسع لجدل متزايد حول صناعة برامج التجسس التجارية، والتي شهدت نمواً هائلاً في السنوات الأخيرة. فشركات مثل “باراغون” و”إن إس أو جروب” (NSO Group) الإسرائيلية، التي طورت برنامج بيغاسوس الشهير، أصبحت في قلب اتهامات متكررة باستهداف صحفيين ومعارضين سياسيين ونشطاء حقوق الإنسان حول العالم. هذه الأدوات، التي تُسوق في الأصل لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، غالباً ما تُستخدم لقمع المعارضة والتجسس على المواطنين، مما يقوض أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان.

تأسست شركة باراغون في تل أبيب على يد قادة سابقين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهو أمر شائع في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلية الذي يستفيد بشكل كبير من الخبرات العسكرية. وقد استحوذت عليها شركة أمريكية في عام 2021 مقابل 900 مليون دولار، مما يعكس القيمة السوقية الكبيرة لهذه التقنيات. هذه الخلفية تضع إسرائيل في طليعة الدول المطورة والمصدرة لتقنيات المراقبة المتقدمة، مما يثير نقاشات داخلية ودولية حول الرقابة على هذه الصادرات.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها باراغون اتهامات مماثلة. فقد جاءت هذه الفضيحة بعد أسابيع قليلة من اتهام شركة “ميتا” (الشركة الأم لفيسبوك وواتساب) لباراغون باستهداف حوالي 100 صحفي وشخصية عامة عبر ثغرات أمنية في منصاتها. هذه الاتهامات المتكررة تسلط الضوء على الحاجة الملحة لآليات رقابة دولية أكثر صرامة على بيع واستخدام برامج التجسس، لضمان عدم تحولها إلى أدوات للقمع وانتهاك الخصوصية على نطاق واسع.

إن تداعيات هذا الكشف تتجاوز الأبعاد التقنية لتصل إلى صميم القضايا الأخلاقية والقانونية. فالتجسس على الأفراد، خاصة الصحفيين والنشطاء، يعيق عملهم الحيوي في كشف الحقائق ومحاسبة السلطات، ويهدد حرية الصحافة التي تُعد ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي. يرى العديد من المعلقين أن مثل هذه الممارسات تشكل “جرائم كبرى” بحق شعوب العالم، وتتطلب استجابة دولية حازمة لحماية الحقوق الرقمية للمواطنين.

في الختام، يُعيد حادث “جرافيت” إلى الواجهة الجدل المستمر حول التوازن بين الأمن القومي وحقوق الأفراد في الخصوصية. ومع تزايد تعقيد أدوات المراقبة، يصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى وضع أطر قانونية وأخلاقية واضحة تحكم استخدامها، وتضمن مساءلة الشركات والحكومات التي تستخدمها، لحماية الفضاء الرقمي من أن يصبح ساحة للتجسس الشامل.

spot_imgspot_img