spot_img

ذات صلة

وزير الدفاع الإسرائيلي: لا انسحاب كامل من غزة – تداعيات وتوقعات

في تصريح يحمل دلالات عميقة ويحدد ملامح المرحلة القادمة للصراع في الشرق الأوسط، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، أن إسرائيل لن تنسحب من كامل قطاع غزة. هذا الإعلان يأتي في خضم حرب مستمرة منذ أشهر، ويشير إلى رؤية إسرائيلية طويلة الأمد للوجود الأمني في القطاع، مما يثير تساؤلات حول مستقبل غزة وسكانها، وتداعيات ذلك على الجهود الإقليمية والدولية لإيجاد حل للصراع.

يأتي هذا التصريح في سياق عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق بدأت في السابع من أكتوبر 2023، رداً على هجوم مباغت شنته حركة حماس على بلدات إسرائيلية محاذية للقطاع. وقد أعلنت إسرائيل أن أهدافها الرئيسية من هذه العملية هي تفكيك القدرات العسكرية لحماس، وتحرير الرهائن المحتجزين في غزة، وضمان أمن حدودها الجنوبية بشكل دائم. تصريحات غالانت تعكس قناعة إسرائيلية بأن الانسحاب الكامل من غزة قد يعيد سيناريوهات سابقة ترى فيها إسرائيل تهديداً لأمنها القومي، خاصة بعد تجربة الانسحاب أحادي الجانب عام 2005.

تاريخياً، انسحبت إسرائيل من قطاع غزة عام 2005، منهية بذلك احتلالاً دام 38 عاماً، وقامت بإخلاء جميع المستوطنات الإسرائيلية. كان الهدف من هذا الانسحاب هو تخفيف العبء الأمني والاقتصادي عن إسرائيل، وفتح الباب أمام عملية سلام محتملة. ومع ذلك، شهد القطاع بعد الانسحاب صعوداً لحركة حماس وسيطرتها عليه في عام 2007، مما أدى إلى فرض حصار إسرائيلي مصري مشترك، وتصاعد دورات العنف المتكررة. هذه الخلفية التاريخية تشكل حجر الزاوية في التفكير الأمني الإسرائيلي الحالي، حيث ترى القيادة أن الانسحاب الكامل دون ضمانات أمنية قوية قد يؤدي إلى تكرار ما تعتبره تهديدات أمنية.

إن قرار عدم الانسحاب الكامل من غزة يحمل في طياته أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً على مستويات متعددة. على الصعيد المحلي، يعني استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من القطاع، أو على الأقل فرض سيطرة أمنية على مناطق حدودية أو محاور استراتيجية. هذا الأمر سيعمق الأزمة الإنسانية القائمة في غزة، حيث يعاني أكثر من مليوني فلسطيني من ظروف معيشية صعبة للغاية، وتدمير واسع للبنى التحتية. كما أنه سيؤثر بشكل مباشر على مستقبل الحكم في غزة، ويجعل من الصعب تحقيق رؤية دولية لحكم فلسطيني موحد للضفة الغربية وقطاع غزة.

إقليمياً، قد يؤدي هذا الموقف إلى زيادة التوتر في المنطقة. فالدول العربية، وخاصة مصر والأردن، تتابع بقلق بالغ التطورات في غزة وتداعياتها على الأمن الإقليمي. أي خطوة إسرائيلية نحو إعادة احتلال أجزاء من غزة أو الحفاظ على وجود عسكري دائم فيها ستُقابل برفض واسع، وقد تعرقل أي جهود مستقبلية للتطبيع أو بناء الثقة بين إسرائيل وجيرانها. كما أن هذا الموقف قد يؤثر على دور الولايات المتحدة كراعي لعملية السلام، ويضعها في موقف حرج أمام حلفائها العرب والمجتمع الدولي.

دولياً، يضع تصريح غالانت المجتمع الدولي أمام تحدٍ كبير. فمعظم الدول تدعو إلى حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، وتعتبر أي احتلال دائم لغزة انتهاكاً للقانون الدولي وعقبة أمام تحقيق السلام. المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، ستواجه صعوبات أكبر في تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار في ظل وجود عسكري إسرائيلي مستمر. كما أن هذا الموقف قد يزيد من عزلة إسرائيل الدولية ويؤثر على علاقاتها بالعديد من الدول التي تدعو إلى حل سياسي شامل للصراع.

في الختام، فإن تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي بعدم الانسحاب الكامل من غزة ليس مجرد إعلان سياسي، بل هو مؤشر على استراتيجية أمنية إسرائيلية قد تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة. هذه الاستراتيجية ستكون لها تداعيات عميقة على حياة الفلسطينيين في غزة، وعلى استقرار المنطقة بأسرها، وعلى آفاق تحقيق سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط. يبقى السؤال الأهم هو كيف سيتفاعل المجتمع الدولي مع هذا الموقف، وما هي الخطوات التي ستُتخذ لضمان مستقبل مستقر وآمن لجميع الأطراف المعنية.

spot_imgspot_img