شهدت الساحة اللبنانية تحولاً ميدانياً خطيراً مساء الجمعة الماضي، حيث نفذ سلاح الجو الإسرائيلي سلسلة غارات متزامنة وعنيفة استهدفت مناطق في عمق البقاع، شملت النبي شيت ورياق وعلي النهري وتمنين. وصفت هذه العملية بأنها الأوسع في هذه المنطقة الحيوية منذ بدء المواجهات على الحدود الجنوبية في أكتوبر 2023، لتنقل الصراع من هامش الاشتباك الحدودي إلى قلبه الاستراتيجي.
خلفية تاريخية للصراع على الحدود
تعود جذور التوتر بين إسرائيل وحزب الله إلى عقود مضت، وبلغت ذروتها في حرب يوليو 2006 التي استمرت 34 يوماً وأسفرت عن دمار هائل في لبنان. منذ ذلك الحين، ساد هدوء حذر على الحدود، تحكمه قواعد اشتباك غير معلنة وقرار مجلس الأمن الدولي 1701. لكن هذا الهدوء تحطم في الثامن من أكتوبر 2023، عندما بدأ حزب الله عمليات عسكرية ضد إسرائيل “إسناداً لغزة”، لترد إسرائيل بقصف عنيف وعمليات استهداف طالت مناطق جنوبية. ورغم أن المواجهات بقيت محصورة إلى حد كبير في نطاق جغرافي محدود، فإن استهداف البقاع يمثل كسراً واضحاً لهذه القواعد.
الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البقاع
لم يكن اختيار البقاع عشوائياً. تعتبر هذه المنطقة العمق الاستراتيجي والشريان اللوجستي لحزب الله، حيث تضم مراكز قيادة وسيطرة، ومخازن أسلحة استراتيجية، وتشكل حلقة وصل أساسية مع سوريا. من خلال نقل المعركة إلى البقاع، تسعى إسرائيل إلى تحقيق عدة أهداف: ضرب البنية التحتية العسكرية للحزب، وتقليص قدرته على المناورة، وإرسال رسالة ردع قوية مفادها أنه لا توجد منطقة آمنة لقياداته أو عتاده داخل لبنان.
تداعيات التصعيد وتأثيره المحتمل
يحمل هذا التصعيد دلالات خطيرة على مستويات عدة. محلياً، يزيد من قلق اللبنانيين الذين يعانون أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة، ويثير مخاوف من انزلاق البلاد إلى حرب شاملة قد لا تتحملها بنيتها التحتية المتهالكة. إقليمياً، تأتي هذه الضربات في ذروة التوتر بين إيران وإسرائيل، مما يجعل لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. الرسالة الإسرائيلية واضحة: أي مواجهة كبرى مع إيران ستشمل وكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله، منذ اللحظة الأولى. دولياً، تكثف العواصم المعنية، مثل واشنطن وباريس، جهودها الدبلوماسية لمنع توسع الحرب، لكن هذا التصعيد الأخير يعقد مهمتها ويقلص هامش الحلول السياسية.
تغير الحسابات وسقوط “مسافة الأمان”
إن الدلالة الأبرز لغارات البقاع هي سقوط مفهوم “مسافة الأمان”. فما كان يُعتبر مخزوناً استراتيجياً بعيداً نسبياً عن خط النار، أصبح اليوم هدفاً مباشراً. هذا التحول يعني أن أي حسابات لبنانية أو إقليمية كانت مبنية على وجود مناطق آمنة قد انهارت، وأن الجغرافيا لم تعد تشكل عائقاً أمام العمليات العسكرية الإسرائيلية. الخطر الآن يكمن في أن سقف المواجهة قد ارتفع بشكل غير مسبوق. أي رد مستقبلي من حزب الله سيكون محكوماً بمعادلة أكثر تعقيداً، فالصمت قد يُفسر ضعفاً، والرد القوي قد يفتح الباب أمام تصعيد يصعب السيطرة عليه. ورغم عدم وجود مؤشرات حتى الآن على قرار بحرب شاملة، إلا أن لبنان يقف اليوم في منطقة شديدة الحساسية، حيث يمكن لشرارة واحدة أن تشعل حريقاً إقليمياً واسعاً.


