في انتهاك صارخ ومتجدد للسيادة السورية، توغلت قوات تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم (الاثنين) في إحدى قرى ريف القنيطرة جنوب غرب سوريا، وقامت باعتقال مواطنين سوريين. يأتي هذا التوغل ضمن سلسلة من الممارسات التي تزيد من حدة التوتر في منطقة حساسة تشهد تحولات جيوسياسية كبرى.
وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” بأن القوة الإسرائيلية اقتحمت قرية غدير البستان في ريف القنيطرة الجنوبي، حيث داهمت منازل وعبثت بمحتوياتها، واعتقلت شابين شقيقين. هذه العملية ليست معزولة، فقد سبق وأن اعتقلت قوات الجيش الإسرائيلي يوم أمس (الأحد) ثلاثة شبان من قرية بريقة في ريف القنيطرة الجنوبي أثناء رعيهم للمواشي، قبل أن تفرج عنهم لاحقاً. كما تم اعتقال شاب آخر من بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة الشمالي، مما يشير إلى نمط متواصل من التوغلات والاعتقالات.
وقد وثقت مديرية إعلام القنيطرة في تقرير لها التوغلات الإسرائيلية خلال النصف الأول من يناير الماضي، مشيرة إلى استهداف 17 منطقة، وإقامة 9 حواجز مؤقتة، وتنفيذ 15 توغلاً عسكرياً، بالإضافة إلى 8 حالات اعتقال مؤقتة. هذه الأرقام تعكس تصعيداً ملحوظاً في الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
تاريخياً، تُعد محافظة القنيطرة منطقة استراتيجية وحيوية على الحدود مع هضبة الجولان السورية المحتلة. احتلت إسرائيل هضبة الجولان في حرب عام 1967، وضمتها لاحقاً في عام 1981 في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي. عقب حرب أكتوبر عام 1973، تم توقيع اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 بين سوريا وإسرائيل، والتي نصت على إنشاء منطقة عازلة ومناطق محدودة القوات والأسلحة للطرفين، مع وجود قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) لضمان التزام الطرفين بالاتفاقية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 350 (1974). هذه الاتفاقية تمثل حجر الزاوية في الحفاظ على الهدوء النسبي في المنطقة.
تواصل إسرائيل خرق اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974 من خلال التوغل المتكرر في أرياف محافظتي القنيطرة ودرعا والاعتداء على المواطنين. في المقابل، تجدد سوريا بشكل متواصل مطالباتها بتطبيق قرارات الأمم المتحدة وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية، وتدعو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في ردع هذه الممارسات غير المشروعة التي تقوض القانون الدولي وتزيد من معاناة السكان المحليين.
تكتسب هذه التوغلات أهمية خاصة في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها سوريا. فبعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، وسعت إسرائيل وجودها العسكري في جنوب سوريا، وسيطرت على مواقع إلى الشرق من المنطقة العازلة التي تراقبها الأمم المتحدة، والتي تفصل هضبة الجولان المحتلة عن الأراضي السورية. هذا التحول الجيوسياسي قد يفسر تزايد وتيرة وشدة التوغلات الإسرائيلية، حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل ميزان القوى على حدودها الشمالية الشرقية في ظل الفراغ الأمني والتغيرات السياسية.
إن استمرار هذه الانتهاكات يهدد بتقويض الاستقرار الهش في المنطقة، ويزيد من مخاطر التصعيد العسكري. كما أنه يضع ضغوطاً إضافية على السكان المدنيين في القنيطرة، الذين يعيشون بالفعل تحت وطأة ظروف إنسانية صعبة. يتطلب الوضع الراهن استجابة دولية حازمة لضمان احترام السيادة السورية والقانون الدولي، والحفاظ على دور قوة الأمم المتحدة في مراقبة فض الاشتباك لضمان عدم تدهور الأوضاع إلى صراع أوسع نطاقاً.


