شهدت محافظة القنيطرة السورية، الواقعة في منطقة حساسة على الحدود مع الجولان المحتل، توغلاً عسكرياً إسرائيلياً جديداً، ما يمثل انتهاكاً واضحاً لاتفاق فك الارتباط لعام 1974 ويزيد من حدة التوتر في المنطقة. وقد أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) أن قوة إسرائيلية مؤلفة من عشر آليات عسكرية اخترقت عدة قرى في ريفي القنيطرة الجنوبي والشمالي، في تحرك أثار قلقاً واسعاً.
تأتي هذه التوغلات في سياق تاريخي معقد للمنطقة. فمنذ حرب عام 1967، احتلت إسرائيل جزءاً كبيراً من هضبة الجولان السورية، بما في ذلك مدينة القنيطرة التي دمرت لاحقاً. وفي أعقاب حرب أكتوبر 1973، تم توقيع اتفاقية فك الاشتباك عام 1974، التي حددت خطوطاً للفصل بين القوات السورية والإسرائيلية وأنشأت منطقة عازلة تشرف عليها قوات الأمم المتحدة لفض الاشتباك (UNDOF). وتعتبر أي حركة عسكرية تتجاوز هذه الخطوط دون تنسيق مسبق انتهاكاً صارخاً للاتفاقية والقانون الدولي.
تفصيلاً، ذكرت التقارير أن قوة إسرائيلية مكونة من خمس آليات عسكرية توغلت في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، وأقامت حاجزاً غرب القرية. وفي الوقت نفسه، اتجهت خمس آليات أخرى نحو قرية صيدا الجولان وأقامت حاجزاً وسطها. ولم يقتصر التوغل على هذه القرى، بل شمل أيضاً قرية الصمدانية الشرقية، حيث توغلت قوة أخرى مؤلفة من ثلاث سيارات وأقامت حاجزاً على الطريق الواصل بين القرية وبلدة خان أرنبة، منفذة عمليات تفتيش للمارة ومعرقلة للحركة بشكل ملحوظ.
وفي حادثة منفصلة، دخلت قوة ثالثة مؤلفة من عربة مصفحة وسيارة همر قرية عين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي، وأقامت حاجزاً أمام المدرسة الابتدائية. هذا التحرك المباشر أمام مؤسسة تعليمية أدى إلى حالة من التوتر والخوف بين الطلاب والأهالي، مما يعكس التأثير النفسي والأمني لهذه الانتهاكات على السكان المدنيين. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التوغلات لم تكن معزولة، حيث سبقتها في اليوم السابق (الثلاثاء) توغلات أخرى في مدينة القنيطرة المدمرة، وسلكت القوات الإسرائيلية طريق قرية رسم الرواضي باتجاه تل كروم جبا، بالإضافة إلى استهداف أراضٍ زراعية جنوب بلدة جباتا الخشب بأربع قذائف هاون.
تثير هذه الانتهاكات المتكررة تساؤلات جدية حول استقرار المنطقة والتزام الأطراف بالاتفاقيات الدولية. فالتوغلات العسكرية في منطقة الفصل تشكل تهديداً مباشراً للهدوء النسبي الذي تراقبه قوات UNDOF، وتزيد من احتمالات التصعيد في منطقة تعاني أصلاً من تداعيات الصراع السوري المستمر. على الصعيد المحلي، تؤثر هذه التحركات على حياة المدنيين، وتعيق حركتهم، وتخلق بيئة من عدم اليقين والخوف. إقليمياً ودولياً، تضع هذه الانتهاكات ضغوطاً على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق الاستقرار، وتؤكد على الحاجة الملحة لاحترام سيادة الدول والالتزام بالقانون الدولي.
وفي ظل هذه التطورات، من المنتظر أن تعود «لجنة الميكانيزم» السورية الإسرائيلية إلى الاجتماع قريباً، وسط توقعات بانعقادها خلال أسبوعين. ومع ذلك، فإن التوقعات بشأن تحقيق تقدم ملموس تبدو محدودة للغاية. فبحسب مراقبين، لا يُنتظر أن تكون الأمور أفضل بكثير خلال الاجتماع، إذ تتمسك سورية بمطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى خط فك الارتباط في الجولان، بينما أبلغت إسرائيل واشنطن رفضها القاطع لهذا الانسحاب، مؤكدة أنها ليست بوارد التنازل عن هذا المطلب. هذا الجمود يعكس عمق الخلافات ويشير إلى أن التوترات في القنيطرة قد تستمر في التفاقم ما لم يتم التوصل إلى حلول دبلوماسية جذرية.


