على تلة استراتيجية في شمال الضفة الغربية، تقف بلدة سبسطية الفلسطينية شامخة، تحتضن بين جنباتها طبقات من التاريخ تعود لآلاف السنين. من كونها عاصمة مملكة السامرة في العصر الحديدي، إلى مدينة “سيباستي” الرومانية الفخمة التي بناها هيرودس الكبير، مروراً بالكنائس البيزنطية والكاتدرائيات الصليبية والمساجد الإسلامية، تشكل سبسطية سجلاً حياً لتلاقي الحضارات. لكن هذا الإرث الإنساني الفريد يواجه اليوم تهديداً وجودياً، ليس بفعل الزمن، بل بمشروع إسرائيلي ضخم يهدف إلى مصادرة موقعها الأثري بالكامل، وعزلها عن ماضيها ومستقبلها.
خلفية تاريخية: سبسطية كنز الحضارات
تتمتع سبسطية بأهمية تاريخية ودينية كبرى. تأسست في القرن التاسع قبل الميلاد كعاصمة لمملكة إسرائيل الشمالية وعُرفت باسم “السامرة”. شهدت البلدة دماراً على يد الآشوريين عام 722 قبل الميلاد، لكنها عادت لتزدهر في العصور اللاحقة. كان أوج عظمتها في العهد الروماني عندما أعاد الملك هيرودس بناءها بشكل فاخر وأطلق عليها اسم “سيباستي” تكريماً للإمبراطور أغسطس. لا تزال أعمدتها الشاهقة ومسرحها وبازيليكاها شاهدة على تلك الحقبة. كما تحتل مكانة دينية خاصة في المسيحية والإسلام، حيث يُعتقد أنها تضم قبر النبي يحيى (يوحنا المعمدان)، الذي بُني فوقه كنيسة بيزنطية ثم كاتدرائية صليبية تحولت لاحقاً إلى مسجد البلدة الكبير.
مشروع المصادرة: عزل ممنهج وتغيير للواقع
في نوفمبر الماضي، تلقت بلدية سبسطية إخطاراً رسمياً من السلطات الإسرائيلية بمصادرة 182 هكتاراً (450 فداناً) تشمل كامل الموقع الأثري والأراضي الزراعية المحيطة به. يُعد هذا الإجراء أكبر عملية استيلاء على أراضٍ فلسطينية لأغراض أثرية منذ عام 1967. ووفقاً للخطط المعلنة، يهدف المشروع الذي تقدر تكلفته بملايين الدولارات إلى إنشاء “حديقة وطنية” إسرائيلية، تشمل مركزاً للزوار ومواقف للسيارات، والأخطر من ذلك، إقامة سياج أمني يفصل الموقع تماماً عن البلدة الفلسطينية. يرى السكان في هذا السياج حكماً بالإعدام على اقتصادهم المعتمد بشكل أساسي على السياحة والزراعة، حيث سيُحرمون من الوصول إلى آثارهم وبساتين زيتونهم.
يقول رئيس بلدية سبسطية، محمود عازم: “ما يجري هو اعتداء صارخ على تاريخنا وتراثنا وأرضنا. إنهم يحاولون سرقة روايتنا التاريخية وتحويل موقعنا الأثري إلى منتجع للمستوطنين، مع عزلنا تماماً عنه”.
توظيف الآثار كأداة سياسية
يرى خبراء ومراقبون أن المشروع يتجاوز بكثير مجرد التطوير الأثري. فبحسب منظمة “عيمك شافيه” الإسرائيلية غير الحكومية، يتم “تسليح علم الآثار سياسياً” لخدمة أهداف استيطانية. ويشير ألون أراد، من المنظمة، إلى أن “القضية ليست تاريخاً، بل أرض وضم”. ويدعم هذا الرأي حقيقة أن المشروع يُدار بدفع من أعضاء حزب “عوتسما يهوديت” اليميني المتطرف، الشريك في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي. كما تتضمن الخطة شق طريق جديد يسمح للزوار الإسرائيليين بالوصول إلى الموقع مباشرة من المستوطنات القريبة، متجاوزين البلدة الفلسطينية بالكامل، مما يعزز الفصل المادي والديموغرافي.
التأثير الدولي والقانوني
يثير المشروع الإسرائيلي قلقاً دولياً واسعاً، حيث يُعتبر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. فبموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954، يُحظر على قوة الاحتلال إجراء أي تعديلات أو حفريات في المواقع الأثرية في الأراضي المحتلة. علاوة على ذلك، تم إدراج سبسطية منذ عام 2012 على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو باسم “دولة فلسطين”، مما يؤكد على هويتها الفلسطينية وأهميتها العالمية. إن المضي قدماً في هذا المشروع لا يقوض فقط حقوق الفلسطينيين، بل يتحدى أيضاً الإجماع الدولي والمواثيق التي تحمي التراث الثقافي الإنساني في أوقات النزاع.
بالنسبة لسكان سبسطية، مثل محمود غزال الذي يقع منزله ومطعمه على حافة الموقع الأثري، فإن المستقبل يبدو قاتماً. يقول بحسرة: “هذا المشروع سيدمر سبسطية. سيأخذون كل شيء منا: تاريخنا، رزقنا، ومستقبل أطفالنا”.


