في خطوة تعكس تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في الجمهورية الإسلامية، أمر وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني بتخفيض كبير في عدد موظفي السفارة الإيطالية في العاصمة الإيرانية طهران. جاء هذا القرار الحاسم عقب اجتماع طارئ عُقد في مركز إدارة الأزمات بوزارة الخارجية الإيطالية «فارنيزينا»، خُصص لتقييم الوضع الأمني المتفاقم في إيران وتداعياته المحتملة على المصالح الإيطالية ورعاياها.
وأكد تاجاني، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس الوزراء، أن إيطاليا ستسحب جميع الموظفين غير الأساسيين من سفارتها، مع الإبقاء على «عدد لا غنى عنه» من الدبلوماسيين لضمان استمرار عمل البعثة الدبلوماسية بأدنى مستوى تشغيلي ممكن. وأوضح الوزير الإيطالي أن هذا القرار لم يتخذ بمعزل عن التقييمات الشاملة، بل جاء بعد مشاورات مكثفة مع السفير الإيطالي في طهران، وسفراء إيطاليا في المنطقة، بالإضافة إلى ممثلي وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات، مما يؤكد عمق التحليل الأمني الذي سبق هذه الخطوة.

وفي سياق متصل، جددت الخارجية الإيطالية دعوتها الحازمة للمواطنين الإيطاليين المقيمين أو المتواجدين في إيران، والذين يُقدر عددهم بنحو 500–600 شخص، معظمهم في منطقة طهران، بضرورة مغادرة البلاد فوراً إذا سمحت الظروف بذلك. وحذرت الوزارة من «مخاطر أمنية متزايدة» قد تعرض حياة وسلامة رعاياها للخطر، مشددة على أهمية اتخاذ هذه الإجراءات الاحترازية في ظل الظروف الراهنة.
يأتي القرار الإيطالي في سياق تصاعد غير مسبوق للتوترات الداخلية والإقليمية في إيران. فقد شهدت البلاد في الأسابيع الأخيرة احتجاجات واسعة النطاق، عكست استياءً شعبياً متزايداً من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. هذه الاحتجاجات، التي قوبلت بردود فعل أمنية، ساهمت بشكل كبير في زعزعة الاستقرار الداخلي، مما جعل البيئة الأمنية أكثر تعقيداً وخطورة على المقيمين الأجانب.
تزامنت هذه الاضطرابات الداخلية مع تصعيد ملحوظ في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تعود جذورها إلى عقود من الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي. فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، تصاعدت حدة المواجهة بين البلدين، وشهدت المنطقة حوادث متكررة استهدفت ناقلات النفط ومنشآت حيوية، مما رفع من منسوب القلق بشأن اندلاع صراع أوسع.
وفي مؤشر على هذا التصعيد، وصلت مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس أبراهام لينكولن، إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط، بعد عبورها من المحيط الهندي. ويُنظر إلى هذا الانتشار العسكري على أنه تحضير أمريكي محتمل لشن هجمات على إيران، أو على الأقل رسالة ردع قوية في ظل التهديدات المتبادلة، مما يزيد من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة في المنطقة.
من جانبها، حذّرت القيادة العسكرية الإيرانية بشدة من أن أي هجوم سيجعل جميع القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة «أهدافاً مشروعة ومباشرة». وأكدت إيران على تحسين قدراتها الصاروخية بشكل كبير منذ الصراعات السابقة، معلنةً جاهزيتها لـ«حرب وجودية» إذا تعرضت لضربة أمريكية-إسرائيلية جديدة، ومهددة باستهداف المنطقة بأكملها، مما يبرز خطورة الوضع واحتمال اتساع نطاق أي صراع محتمل.
إن قرار إيطاليا بتقليص بعثتها الدبلوماسية ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو مؤشر قوي على تقييم دولي جاد للمخاطر المتزايدة في إيران. هذه الخطوة قد تدفع دولاً أوروبية أخرى إلى إعادة تقييم وجودها الدبلوماسي ورعاياها في طهران، مما يعكس قلقاً أوروبياً متزايداً بشأن الاستقرار الإقليمي. كما أن لها تداعيات اقتصادية، حيث قد تؤثر على الاستثمارات الأجنبية وتزيد من عزلة إيران على الساحة الدولية.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يبعث هذا التصعيد برسالة واضحة حول هشاشة الوضع في الشرق الأوسط. فاحتمال نشوب صراع واسع النطاق في منطقة الخليج العربي، التي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية كبرى. لذا، فإن المجتمع الدولي يراقب عن كثب هذه التطورات، داعياً إلى ضبط النفس وتجنب أي تصعيد قد يخرج عن السيطرة ويهدد الأمن والسلم العالميين.


